الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٣٢الرحلة بين المشرق والمغرب
229
ولعل شواهد التاريخ تؤكد هذه الظاهرة على المسرح السياسي وبخاصة خلال القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، حيث وقفت صنهاجة مؤيدة و مدافعه عن العبيديين في إفريقية، ووقفت زناتة على النقيض من ذلك إلى جانب
الأمويين في الأندلس. فاستلمت كل منهما مسؤولية الدفاع عن مصالح العبيديين ومصالح الامريين لا سيما في المغرب الأقصى الذي شهد خلال القرن الرابع المهجري / العاشر الميلادي فترة اضطراب وعدم استقرار نتيجة ذلك الصراع الذي يقوده العبيديون في إفريقية وأمويو الأندلس.
ومهما يكن من أمر فإن انصهار المغاربة في حظيرة الدعوة الاسلامية فتح المجال على مصراعيه أمام التأثيرات المشرقية في بلاد المغرب، وقد ساعد على ذلك أن حكام بلاد المغرب منذ الفتح وقيام عصر الولاة إلى قيام الدول المستقلة كان أغلبهم من أهل المشرق ومن المتعطشين للمشرق وثقافته، وبخاصة الأغالبة الذين لعبوا دورا مهما في إدخال الثقافة المشرقية إلى بلاد المغرب، وذلك عن طريق محاكاة الدولة العباسية في تطورها وتقدمها في كافة المجالات الثقافية، فكان الأغالبة يفتحون المجال أمام المبدعين الوافدين من المشرق ويرغبونهم في الهجرة إلى بلاد المغرب أدباء وشعراء وأطباء وغيرهم، لذا زخرت إفريقية وبلاد المغرب عموما بعد ذلك بعشرات من المبدعين في مجالات متعددة، ففي مجال الطب مثلا استقدم الأغالبة اثنين من مشاهير الأطباء وهما اسحاق بن عمران واسحاق بن سليمان الاسرائيلي.
فإسحاق بن عمران المعروف بسُم) (ساعة). وهو من بغداد - دخل إفريقية أواخر عهد الإمارة الأغلبية زمن زيادة الله الثالث (290) ـ 296 هـ / 903 ـ 909 م) ويقول ابن جلجل: به ظهر الطب بالمغرب، وعرفت الفلسفة»، وقد ألف كتبا عديدة مثل كتاب نزهة النفس، وكتاب «المالنخوليا وكتب آخرى حول أبقراط Hippocrates، وجالينوس Galenis ورأيهما فى بعض الأمراض
(1)
(1)
ابن جلجل طبقات الأطباء والحكماء ص 70 ابن صاعد طبقات الأمم 203، أبن أبي أصيبعة طبقات الأطباء ص 201، بروکلمان Brockelmann تاريخ الأدب العربي 4/ 288 سالم يفوت العلوم في الأندلس وخلفياتها الفلسفية مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس عدد 13، الرباط 1987 م، ص 35 - 39.