الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢٤٩

246

الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب

واتصلت حتى سقوط عاصمة إفريقية على أيدي الهلاليين 499 هـ / 1057 م. ولعلها استمرت بعد ذلك بسبب هجرة بعض أدباء القيروان الى الأندلس.

وقد كانت الرحلة بين قرطبة والقيروان متصلة وظاهرة منذ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، ولكنها لا تعدو أن تكون في معظمها عبور الأندلسيين عبر إفريقية متجهين لأداء فريضة الحج، وأن بعضهم كان من ذوي العلم الذين يستثمرون الفرصة لمقابلة العلماء أينما كانوا وحيثما وجدوا، ولذا كان كثير من

أهل قرطبة يتوقفون بالقيروان التي كانت تعتبر عاصمة فكرية في بلاد المغرب.

وإذا كان القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي هو عصر التعريب في بلاد المغرب فهو كذلك في بلاد الأندلس، فإن القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي قد شهد انتشار مذهب مالك ليس في افريقية فحسب، ولكن في بلاد الأندلس أيضا الأمر الذي زاد من نشاط الرحلة من قرطبة إلى إفريقية لوجود كبار علماء مذهب مالك بها كأسد بن الفرات والبهلول بن راشد وعلي بن زياد، وابن فروخ وابن غانم وسحنون بن سعيد، وغيرهم.

وإذا كان القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي قد شهد نشاطا في الرحلة من قرطبة الى القيروان واستمرارها بصورة منتظمة وبخاصة أثناء موسم الحج فإن هذه الرحلة لم تكن تخلو من الغرض العلمي كما سبق بيانه، فإن رحلة أهل إفريقية الى قرطبة وبخاصة العلماء لم يكن لها سوى الغرض العلمي أو السياسي، فمن بين العلماء الذين أثارت رحلتهم من القيروان الى قرطبة ظلالا من الشك في نوايا صاحبها في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي رحلة أبو اليسر ابراهيم بن أحمد الشيباني (الرياضي) البغدادي الأصل والذي كتب لثلاث أمراء من بني الأغلب منهم ابراهيم بن أحمد (251) - (290 هـ / 875 - (93 م) ثم لابنه أبي العباس عبد الله (ت 290 هـ / 903 م) وتولى الإشراف على بيت الحكمة في عهد زيادة الله الثالث (290 هـ / 903 - (909 م) آخر ملوك بني الأغلب واستكتبه العبيديون أول أيامهم إذ توفي سنة (298 هـ/ 910 م).

فقد دخل أبو اليسر قرطبة في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن ابن الحكم لكنه لم يمكث طويلا في الأندلس، وله قصة مع أميرها حيث يذكر ذلك المقري يقوله: «. . . وقدم على الإمام محمد بن عبد الرحمن، وذكر له معه قصة ذكرها