الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥272
الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب
ويقول مؤرخ سنّي آخر: إن عبيد الله المهدي يعمل على هدم الإسلام متستراً بالتشيع))، والواقع أنه بتقصي ما أورده مؤرخو السنة وتقصى ما أورده مؤرخو العبيديين أنفسهم يتضح أن هناك من بين تلك الأخبار شيئاً من الحقيقة، وبخاصة حول مغالاة الدعاة في تقديس الأئمة فإننا نجد أن بعض خلفاء العبيديين قد أبدى استنكاره لمبالغة الدعاة في وصف الإمام فقد أورد القاضي النعمان (2) على لسان الخليفة المنصور بالله ثالث خلفاء العبيديين قوله: «قد كنت عندهم بالأمس ولي عهد المسلمين، وكأني بهم اليوم قد جعلني بعضهم ربا وجعلني بعضهم نبيا وقال بعضهم إني أعلم الغيب وقال آخرون يأتيني الوحي.
ومع
ذلك يحدد المنصور حق الأئمة بقوله: إنما نحن عباد الله، وخلق من خلقه، لكن لنا منه منزلة أكرمنا بها بأن جعلنا أئمة عباده وحججه على خلقه» (3)
وهذه الصورة التي يوضحها النعمان تبين مدى مبالغة الدعاة في كرامة الأئمة حتى تعدى بعضهم حدود الدين فرفع الإمام إلى أعلى من مستوى الأنبياء، وهذه الدعوات المغالية والدعاية المبالغ فيها كان وراءها الدعاة الذين ألبوا العلماء والعامة على حد سواء ضد العبيديين ونعتوهم بالكفر والخروج عن الدين.
وإذا كان بعض أئمة العبيديين قد سكتوا عن بعض مدائح شعرائهم التي وصلت إلى حدّ المبالغة في كرامة الأئمة، وواجب الناس نحوهم، فإن ذلك لا يعني إقرار الأئمة العبيديين بجميع تصرفات الدعاة، فهذا عبيد الله المهدي قد شهد عهده حركة دعوة مكثفة لجلب الأتباع والأنصار للدولة الجديدة يشهد أن الكثير من دعاة الدولة العبيدية قد خرجوا عن المألوف في أصول الدعوة، فحادوا عن الصواب واستزلهم الشيطان فكان مصيرهم القتل وفي ذلك يقول النعمان: ورأينا رجالا أيضا كانوا ممن شملتهم الدعوة وكانت لهم البصيرة والولاية والحظوة، والأعمال الصالحة ثم ارتكبوا من العظائم واستحلوا المحارم، و وعطلوا الفرائض واستخفوا بالدين، وصاروا إلى حال غيرهم من المبدلين الضالين
(1)
أبو شامة: كتاب الروضتين 2011.
.69
النعمان: دعائم الإسلام، ص
ن. م، ص
.70 - 69
(2)
(3)