الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

300

الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب

تلك المؤلفات في مذهب مالك لأن نشاط أتباعه قد تضاعف زمن العبيديين تحديا عنهم للدعوة الشيعية.

وهذه الحادثة تشير إلى أمرين:

الأول: أن نشاط علماء مذهب مالك فى مجال التأليف والبحث والتقصي قد ازداد زمن العبيديين تحديا منهم ومقاومة للتشيع وثقافته.

الثاني: أن الخلافة العبيدية سعت خلال عهد خلفائها الأربع في دورها المغربي إلى محاربة مذهب مالك وأتباعه حتى إنها بدأت تصادر كتب أتباع المذهب شأنها في ذلك شأن مصادرتها لأموالهم وأراضيهم بعد مماتهم.

ومهما يكن من أمر فإن محاولة العبيديين فرض مذهبهم بالقوة وإزالة كل ما عداه من المذاهب الأخرى كالإباضية والمالكية، قد أدى إلى نتائج إيجابية على الصعيد الفكري والثقافي إذ أن طرح الافكار والرد عليها، وتأليف أتباع كل مذهب الكتب الكثيرة حول كل ما يتعلق بمذهبهم والدعوة اليه بالحجة والإقناع، قد أسهم إلى حد كبير في خلق اتجاهات وايديولوجيات مذهبية وثقافية متعددة المشارب

والاتجاهات كلّ يحاول استقطاب الناس إلى مذهبه والحصول على تأييدهم.

فلولا الصراع لما نهضت الثقافة وتعدّدت الاتجاهات، فقد غذاها ذلك الصراع ونماها حتى أصبحت الحياة العقلية في القيروان وسائر بلاد المغرب لا تختلف عن سواها في بغداد أو مصر في عصور ازدهارها.

ولا يخفى أن من نتائج الصراع الفكري هو إقبال العلماء من كل مذهب على طلب العلم والتبحر فيه حتى نبغ منهم رجال تنوعت معارفهم وعلومهم واتجاهاتهم، فبرز بعضهم في الفقه، وآخرون في علم الكلام، وغيرهم أتقن المناظرة والجدل … فنافسوا بذلك أهل المشرق بل تفوق بعضهم حتى صار مرموقا بعلمه مشرقا ومغربا.

ومن ثم يمكن القول إن العلاقة بين أتباع مذهب مالك وبين العبيديين الشيعة علاقة منافسة كانت لها إيجابياتها الثقافية والفكرية ولها سلبياتها السياسية والسؤال: هل كانت مدن بلاد المغرب الأخرى كطرابلس، وفاس وتاهرت خالية من الثقافة

زمن العبيديين؟