الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣١٨تطور النشاط الثقافي زمن العبيديين
من
315
وقد زخر عصر الدولة العبيدية في بلاد الغرب بعدد غير قليل من الشعراء الكبار أمثال محمد بن هانئ الذي تمت الإشارة اليه وإلى شعره في خدمة المذهب الشيعي، ومحمد بن علي الإيادي مادح العبيديين، وكذلك أبي القاسم الفزاري الذي كان أميل إلى أهل السنة، وممن هجا بني عبيد في قصائد سبقت الإشارة إليها، إضافة إلى هؤلاء الفحول كان هناك عدد آخر يتأرجح في ولائه بين تأييد ومدح السلطة القائمة وبين هجوها وبخاصة أيام ثورة أبي يزيد ومن أمثال هؤلاء:
1 - سهل بن ابراهيم الوراق:
وهو من الشعراء الذين أدركوا خلافة المعز لدين الله والذين ذكرهم المالكي. وينسب إليه حكاية مع الزاهد أبي اسحاق السبائي شبيهة بتلك الحكاية التي ساقها لأبي القاسم الفزاري من قبل، والتي تقول إن ابن قتار الشاعر مدح المعز لدين الله، ووالده اسماعيل المنصور بمدحة كفر فيها، فقيل له: أيهما أشعر أنت أم سهل الوراق؟ فقال: أنا أشعر في مدحكم وسهل أشعر في هجوكم فتغيظ لهذا، فخاف سهل الوراق لما بلغه الخبر خوفا عظيما، ومضى إلى دار أبي اسحاق السبائي، فقرع الباب ودخل، وكانت للشيخ فراسة فلما نظر اليه قال له: أنت سهل؟ قال: نعم فقام إليه وأجلسه بجواره وأقبل عليه وقال له: ما الذي جاء بك؟ فأخبره بما قال ابن، قتار فقال له: أنشدني واجعل أصبعك في أذنيك، وارفع صوتك بها ما استطعت. فأنشدها (1)
وهذه القصة على ما فيها من إحاطة أبي إسحاق السبائي بالكرامة، الا أنها تدل على أن علماء القيروان وصلحاء مذهب مالك كانوا الملجأ الذي يحتمي به الخائفون من بطش بني عبيد، وفي ذات الوقت فإن تسامح اسماعيل المنصور مع الشاعرين، أبي القاسم الفزاري وسهل الوراق رغم هجوهما المقذع لبني عبيد - دليل على
(1)
أورد صاحب رياض النفوس قصيدة الوراق في هجاء بني عبيد، واخترنا منها هذه الأبيات:
يا صاحبي سلا ذوي الرذات ما بال وحي نبيهم لم يات ما كان عنه مبطئاً ناموسه من قبل في وقت من الأوقات فالآن لا وحي إليه، فأين ما زعموا من الإسهام والإسهات انظر المالكي: رياض النفوس 2962 - 298