الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٢٢تطور النشاط الثقافي زمن العبيديين
رابع
319
-
العبيدية في اكتساب أنصار لها في تلك المدن ولعل انتشار مذهب مالك، واتصال علمائه في جميع مدن بلاد المغرب، وحتى الأندلس قد حال دون تمكين العبيديين من نشر مذهبهم في معظم مدن بلاد المغرب مما دعا المعز لدين الله خلفاء الدولة العبيدية - أن يعلن ذلك صراحة في مناسبات عديدة متهما الدعاة بالإخفاق في نشر المذهب تارة ورفض المغاربة للمذهب الشيعي تارة أخرى (1) هذا من الناحية المذهبية أما فنون الثقافة الأخرى فلكل مدينة شعراؤها وأدباؤها، وفقهاؤها، وعلماؤها الذين كانوا يرحلون في معظم الأحيان إما إلى إفريقية، وإما إلى بلاد الأندلس، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك أثناء ذكر الرحلة بين علماء بلاد المغرب والأندلس والمشرق. على أن كثيراً من العلماء كانوا يتجهون نحو القيروان لا رغبة في اعتناق المذهب الشيعي أو الحصول على مكاسب مادية من العبيديين ولكن لطلب الشهرة والاتصال بالعلماء في القيروان التي كانت تجمع - وبخاصة خلال القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي - فحول الشعراء وكبار الفقهاء والعلماء، والمتفوقين في شتى فنون المعرفة.
ثانيا - المناظرة والخطابة:
وإذا كان الشعر يمثل نوعا من الأدب السائد خلال قيام الدولة العبيدية ببلاد المغرب، فإن القاضي النعمان بن محمد المغربي يلقي الضوء على نوع من الأدب الشيعي الذي كان يُدرس بين أروقة قصور الخلفاء العبيديين، وينقل إلينا بعض نماذج ولوحات أدبية من خلال المجالس العلمية التي كان يعقدها آخر خلفاء الدولة العبيدية في بلاد المغرب (المعز لدين الله فيقول النعمان واصفا مجالس المناظرة التي كان يشرف عليها المعز بقوله: وجلس يوما - عليه السلام - وجلسنا جماعة من الأولياء بين يديه، فحدثنا وأفادنا فوائد من العلم والحكمة شكرنا له عليها، وقبلنا الأرض بين يديه لما سمعنا منه فقال: «إني لأحب أن تراجعوني فيما تسمعون، وتذكرون من ذلك ما تشكون فيه ويُشكل عليكم، فأوضحه لكم، ولا تأخذوا ذلك على التسليم، وتتلقوه بالقبول، وأنتم ترون أنه يدخل فيه لقائل
(1)
النعمان: المجالس والمسايرات ص 396 - 397، ولعل رفض المغاربة للعبيديين يؤكد النظرة القائلة إن انتقال العبيديين إلى مصر كان بسبب كراهة أهل إفريقية لهم.