الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٢٣320
الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب
مقال، أو يختلج في قلوبكم منه شيء .... ثم قال: «لقد كان المنصور عليه السلام إذا أفادني شيء من العلم والحكمة، قال لي قل في هذا ما يعرض لك أنه يدخل فيه، فربما قلت ما عرض لي منه شيء، فيقول: فاسأل عما أشكل عليك منه. فلا يكون عندي فيه إشكال فأقول: ما أشكل علي منه شيء فيقول: قل فيه بما عسى أن ترى أن عدونا ومخالفنا يقول. فربما قلت في ذلك، فيتفجر عليَّ من تحدر العلم والحكمة ما لم أكن أقدره ويزيدني من الفوائد ما لم أكن أرجوه، ويظهر لي في ذلك ما لم أكن أظنه. وهكذا فافعلوا، تأخذوا الحكم وتكثر الفوائد عندكم (1).
?
ومن خلال هذا النص نجد ما يوحي إلى أن المعز قد نشر بين أتباعه روح المناظرة والجدل. فهو يطرح فكرة ثم يطلب من الآخرين نقدها والرد عليها، ثم يطلب إليهم ماذا عسى أن يقول خصومهم فى تلك الفكرة (المسألة)، وكيف يمكن التصدّي لهم، وكان المعز لدين الله كثيرا ما يدير المناظرات بينه وبين خصومه في المذهب.
وقد أدّت المناظرات التي كانت تقام في حضور المعز لدين الله إلى إثراء الفكر الشيعي وفلسفته. كما تمثل تلك المناظرات صورة من صور الحياة الأدبية خلال النصف الأول من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي.
وتدل كثير من النصوص التي احتفظ لنا بها القاضي النعمان بن محمد المغربي على أن المعز لدين الله كان أديبا بنزعته وثقافته، وهذا اللون من الأدب هو أدب الحديث، يعبر به عما يختلج في صدره ويتردّد في فكره تعبيرا شفافا، يجمع إلى جانب الصدق جمال العبارة وقوة التأثير وجمال التعبير وقوة التأثير هما ركنا الأدب الذي لا يتحقق وجوده بغيرهما، وبهما يتفاوت الأدباء في مكانهما منه وإلى القاضي النعمان يرجع الفضل في تسجيل ما يتحدث به المعز في جلساته ومسايراته، وهو لون من ألوان الأدب الشفاهي
.
النعمان: م. س، ص 116 - 117.
(1)
(2)
.75 - 74
.
(2)
الحاجري، محمد طه: محمد طه مرحلة التشيع في المغرب العربي، وأثرها في الحياة الأدبية،
ص