الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٣٤٩

346

الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب

القول إن طبيعة التطور الثقافي في أواخر القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي قد فرضت أن يكون الأدباء أوسع مادة وأرحب أفقا وأنبل غرضا، وهذا ما نلاحظه من خلال بعض النماذج من الأدباء والشعراء الذين زخر بهم عهد الإمارة الزيرية. كما يلاحظ تغيرا واضحا في اتجاه الشعر وأغراضه في هذه المرحلة، ففي حين كان أغلب الشعر موجها لخدمة الدولة العبيدية وعقائدها المذهبية، فإنه في هذه المرحلة (بعد خروج العبيديين لم نعد نسمع عن شعراء خدموا بشعرهم الاتجاه المذهبي للعبيديين رغم تبعية الزيريين للدولة العبيدية في مصر.

ولما كانت الثقافة واتجاهاتها قد تعددت في عهد الإمارة الزيرية لذا كان نشاط المجتمع المغاربي خلال تلك الفترة متنوعا فبالإضافة إلى النشاط الثقافي الذي أبداه علماء مذهب مالك لتكريس مذهبهم عن طريق كثرة التأليف وبخاصة بعد غياب مشاهير المؤلفين الشيعة كالنعمان بن محمد المغربي وغيره إضافة إلى استمرار المناظرات بين أتباع المذهب المالكي، والمذهب الإسماعيلي. كما ازدهر الأدب والشعر ازدهارا لم يسبق له مثيل وظهر عدد من النقاد أمثال ابراهيم النهشلي وابن رشيق وابن شرف وغيرهم.

على أن صدى هذه النهضة الثقافية كان يتردد في إفريقية طيلة عهد العبيديين ومن بعدهم الزيريين فهل كانت مدن بلاد المغرب الأخرى تحظى بنصيبها من

الثقافة؟

أولا: ثقافة المغرب الأوسط:

بالرغم من سقوط تاهرت على أيدي العبيديين عام 296 هـ / 909 م. واختفاء دولة بني رستم فإن ذلك لا يعني اختفاء ثقافة الخوارج الإباضية في منطقة المغرب الأوسط، فقد حلت محل تاهرت مدن أخرى حملت لواء الثقافة السائدة في تاهرت، وأصبحت وارجلان وسدراته من أهم مراكز الثقافة في منطقة المغرب الأوسط، ولعل ذلك يرجع إلى الانتعاش الاقتصادي لتلك الواحات بسبب موقعها على طريق تجارة الذهب عبر الصحراء، وقد عبر أحد الأوربيين عن رفاهية أهل وارجلان بقوله: ((سكان) وارجلان الأغنياء كانوا يملكون في هذه المنطقة بنايات فخمة تحمل أسماء مختلفة، وكانت هذه المنازل مبنية قرب السواقي مظللة بأشجار