الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٥٣350
الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب
وقد أثار شعر ابن هانئ هذا بالمسيلة رغبة المعز لدين الله - عند سماع قصائده فبعث إلى جعفر بن علي في طلبه ليصبح شاعره الخاص (شاعر البلاط) كما سبقت الإشارة إلى ذلك من قبل.
(1)
وإذا كانت المسيلة قد اشتهرت وبخاصة بعد وصول ابن هانئ إليها فإن مدينة أشير) الصنهاجية لم تكن أقل شهرة منها، ولعل ذلك يرجع إلى ما بين آل علي ابن حمدون وبين بني زيري من منافسة زادتها الأيام قوة مع قرب رحيل العبيديين إلى مصر، وبالرغم من عدم اهتمام العبيديين أو الزيريين بعدهم بالمغرب الأوسط - إلا من الناحية السياسية - فإن ثقافة هذه المنطقة قد نضجت في النصف الأول من القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، واكتمل نضجها مع نهاية هذا القرن بظهور عدد كبير من الشعراء والأدباء الذين زخر بهم بلاط القيروان، وبجاية وأشير في عهد الزيريين والحماديين.
ثانيا: ثقافة المغرب الأقصى:
لم يكن للمذاهب الدينية في دولة الأدارسة أهمية تؤدي إلى احتدام الصراع كما حدث في القيروان وإن كان المذهب الرسمي للدولة أقرب إلى التشيع منه إلى مذهب مالك. فهم يشاطرون العبيديين في شرف النسب إذا سلمنا بصحة نسب العبيديين ثم إن العبيديين يقرون بصحة عصمة الإمام كشيء واجب وهذا الأمر يرفع من شأن الأدراسة معنويا في أوساط المغاربة.
ومن المؤكد أن مذهب مالك قد دخل مدينة فاس بفضل الأندلسيين والقيروانيين والمغاربة. كما أن المرونة التي أبداها الأدارسة حيال المذاهب الأخرى المنتشرة في بلاد المغرب الأقصى كالخوارج، والأحناف، والمعتزلة وعدم التعصب ضدهم قد خيل إلى كثير من الباحثين الإقرار بأن مذهب مالك هو المذهب السائد، وهذا أمر جائز لكنه لم يكن المذهب الرسمي للدولة الإدريسية.
(1)
أشير: مدينة بناها زيري بن مناد عام 324 هـ أيام القائم بأمر الله بن المهدي، وأحضر إليها البنائين والنجارين من المسيلة، وطبنه، وبعث القائم بصناع مهرة من إفريقية للمساعدة في بنائها. انظر النويري: نهاية الأرب 160/ 24، البكري: م. س، 729/ 2 2/ 729 - 725، ويروى عن محمد بن يوسف الوراق قوله: إن الذي بناها هو زيري بن مناد الصنهاجي.