الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٧٢مقدمة
369
التقليد والمحاكاة ثم يقوم بكتابة وقراءة بعض السور التي حفظها، وفي مرحلة تالية يتدرج من القراءة والحفظ بالتلقين إلى القراءة والحفظ عن طريق الكتابة في اللوح والنقل من المصحف الشريف، ويعرض كل ما يكتب أو يحفظ على معلمه.
·
ومهما يكن من أمر فإن الدراسة في الكتاب تكون مظهر نشاط دائم. فهذا الطفل يقبل ثم يدبر، وذاك يقرأ بصوت عال وآخر يكتب في لوحه، والمعلم يسمع إلى هذا أو يصلح خطأه، ثم يملي على ذاك أو يعلمه أصول دينه، فالتعليم في الكتاب كان يقوم على مبدأ التعليم الفردي الذي تنادي به التربية الحديثة، ولكن يُؤخذ على الكتاب اعتماده طريقة الحفظ والاستظهار الذي يتطلب ذاكرة لفظية قوية تقلّل من الابتكار والتفكير.
وقد يحفظ الطلاب ذَوُو الملكات القوية في الحفظ آيات القرآن الكريم في مدة يسيرة، ولكن دون استيعاب الصبي، لمعناه وكان الأجدر بمعلمي الصبيان أن يعلموهم أولا القراءة والكتابة والحساب واللغة والشعر حتى إذا نضجت عقولهم واتسعت ثقافتهم أقبلوا على حفظ القرآن مدركين لمفاهيمه ومعانيه وفهم القرآن يساعد دون شك في سهولة حفظه، ويقلل من الجهد الذي يبذله الصبيان، ووافق ابن خلدون (1) على هذا المسلك وعلّق عليه بقوله: « … وهو لعمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال، ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك والثواب وخشية ما يعرض للولد من جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن … ولو حصل اليقين باستمرار في طلب العلم وقبوله العلم لكان هذا المذهب … أول ما أخذ به أهل المغرب والمشرق.
ولم يفت ابن خلدون أن يؤكد إلى جانب ذلك أن تعلم العلم يجب أن يتدرج شيئا فشيئا قليلا قليلا ليكون مفيدا وراسخاً في ذهن الصبي مراعين في ذلك القوة العقلية للمتعلم واستعداده لقبول ما يرد عليه
(1)
(2)
(2)
وهكذا نرى أن حياة الطفل في الكتاب و بخاصة في القرن الرابع الهجري /
المقدمة،
م
.449
477 الغزالي: إحياء علوم الدين 621. ن. م، ص