الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٣٧٧

374

الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب

من تعلم القراءة والكتابة، وتحسين الخط، وربما قليل من الحساب والنحو واللغة، وبعض الشعر، وهذا المنهج رغم عيوبه التي تعتمد الذاكرة اللفظية، وأنها فوق قدرة الصبي، وأن طريقة تعلمها لا تُعوّد الصبي القدرة على التفكير الصحيح، ورغم ذلك كله فإن هذه المرحلة قد أفادت الصبية فائدة لا غبار عليها، فقد أعدتهم للمرحلة الدراسية التالية بالجامع أو المسجد أو للحياة العلمية إذا أراد أن يكون زارعا أو تاجرا أو صانعا، وقد أفاد الصبي خلال الدراسة الأولى الكتاب الاعتماد على النفس كما عودته أن العلم لا يتأتى إلا بالمذاكرة

الصبي

في

والاستظهار.

ثانيا: الغرض الخلقي

أما الغرض الخلقي فقد اهتم معلمو الكتاتيب بالتعاون مع الآباء دافعهم في ذلك ما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة في الحض على حسن الخلق والتحلي بأهداب الفضيلة، لذلك وجهوا الصبية لاكتساب الفضائل وأحاطوهم بسياج متين من الخصال الحميدة ولا غرو في ذلك فإن المعلمين كانوا من علماء الدين وكان عليهم أن يغرسوا في النشء حب الآخرة وأن الدنيا دار عمل والآخرة دار بقاء وحساب وأن التعليم وسيلة للتقوى والنعيم الأبدي. فعلموا الصبية الصلاة والصوم واحترام الكبير وطاعة الوالدين والمعلمين والمؤدبين وعاقبوه بالشدّة إن هو خالف ذلك. لذا اتصف بعض معلمي الكتاتيب بالقسوة مما كان له الأثر السيء في حياة الصبية، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى عزوف بعضهم عن الكتاب أو تعويدهم الذل والخنوع واضطراب التفكير (1)

(1)

·

عقد ابن خلدون في مقدمته فصلاً خاصاً بين فيه أثر الشدة على الصبية أثناء التعليم فقال: وذلك أن إرهاق الجد في التعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة. ومن كان مرياه بالعسف والقهر من المعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعا إلى الكسل وحمل على الكذب والحنث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعمله المسكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقاً وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالاً على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها انظر المقدمة: ص

.449