الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٨٤مقدمة
381
مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية.
ومن ثم يمكن أن نسأل هل كانت الآراء التعليمية التي أوردها ابن سحنون والقابسي واقعية تمثل التعليم في القرن الرابع الهجري أو مثالية؟
لا شك أن آراءهما كانت أقرب إلى الواقع منها إلى المثالية، حيث كانا يصفان ما كان يجري في المجتمع المغاربي والإسلامي خلال القرن الرابع الهجري وعلى طريقة أهل السنّة. ولم يكونا من الغالين أو المثاليين في طرح بعض القضايا خلافا للغزالي الذي جاء بعدهما ولنضرب مثلا لوجه الاختلاف بينهما وبين الغزالي عند الحديث عن الأجرة فقد نصح الغزالي بالتعفف عن أخذ الأجرة تشبها بالرسول عليه السلام، وبما ينبغي أن يكون (1). ولم يكن هذا هو الواقع، حيث كان المعلمون يأخذون الأجور على التعليم ومن تم لم يتحقق رأي الغزالي لمخالفته الواقع، وإغراقه في المثاليات.
وعلى ذلك يمكن القول أن ما تضمنته آراء القابسي إن هي إلا صورة قريبة من الواقع تصوّر بصدق ناحية هامة من نواحي تعاطي الثقافة خلال القرن الرابع الهجري وهي تعليم الصبيان وحياة المعلم في الكتاب ومناهج التعليم والطرق التي كانت متبعة عصرئذ.
والتعليل الصحيح لمعرفة شؤون التربية والتعليم خلال القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي يقتضي الرجوع إلى المجتمع الذي يقوم بالتعليم تبعا للتيارات والاتجاهات التي تسوده.
وعلى سبيل الاستشهاد فإن انصراف المعلم إلى تعليم كتاب الله (القرآن) وتحفيظه للصبية حتى يبلغوا الختمة. فإن ذلك لم يكن من تدبير قادة الفكر، أو رغبة من المعلم نفسه بل هو اتجاه الجمهور وتيار المجتمع. فقد بلغ من فرح الآباء بحفظ أبنائهم القرآن أنهم كانوا يدفعون فوق أجر المعلم، أجرا آخر للختمة
احتفالا بهذه المناسبة العظيمة.
ولم يمتنع المسلمون أن يتعلم أبناؤهم الحساب، وأجاز ابن سحنون
(1)
الغزالي: إحياء علوم الدين 28/ 3