الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٣٩٢

389

مقدمة

فلما

واختصوا به من بين الأمم وتشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للأمة لا تصدهم عنه لائمة الكبر، ولا يزعهم عنه لأئمة الأنفة ويشهد لذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلّم كبار أصحابه مع وفود العرب يعلمونهم حدود الإسلام، وما جاء به من شرائع الدين فبعث في ذلك من أصحابه العشرة فمن بعدهم، استقر الإسلام وشجت عروق الملة حتى تناولتها الأمم البعيدة من أيدي أهلها واستحالت بمرور الأيام أحوالها وكثر استنباط الأحكام الشرعية من النصوص لتحذر الوقائع وتلاحقها فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطأ. وصار العلم ملكة يحتاج إلى التعليم فأصبح من جملة الصنائع والحرف … واشتغل أهل العصبية بالقيام بالملك والسلطان فدفع العلم من قام به سواهم وأصبح حرفة للمعاش وشمخت أنوف المترفين وأهل السلطان عن التصدي للتعليم، واختص انتحاله بالمستضعفين وصار منتحله محتقرا عند أهل العصبية والملك (1).

ومن ثم قدم لنا ابن خلدون هذا التفسير الاجتماعي كعادته في كتاباته وتفسيره لتطور العمل التعليمي في صدر الإسلام من أنه تبليغ، فقد كان ذلك طبيعيا في دولة صاحبة دعوة قامت لأجلها والعمل على تنفيذها ونشرها. فلا عجب إذا قام قادتها أنفسهم وعلى رأسهم الرسول الكريم بالتعليم لأنه جزء من برنامجهم، وضرورة من ضرورات دعوتهم. ومن ثم كان التعليم في صدر الإسلام واجبا من واجبات القيادة الإسلامية نحو الأمة وعملا من أعمالها. فلما قامت الدولة الأموية ولم تكن دولة دعوة، ولا صاحبة فكرة أو مذهب اجتماعي إصلاحي، أو برنامج إنساني عام. كما كانت زمن الرسول صلى الله عليه وسلّم، وز من الخلفاء الراشدين. كان اعتمادها على العصبية الجنسية لا الفكرية، والعنصرية لا العقدية، وانصرف رجالها عن الاشتغال بالتعليم إلا القليل منهم نتيجة ظروف خاصة.

أما حال الدولة العبيدية - في بلاد المغرب - فإن الأمر يختلف عما كانت عليه دولة الأمويين أو الدولة العباسية. ذلك أن العبيديين كانوا يرون أنفسهم أصحاب مذهب عقدي فلم يهتموا بالعصبية الجنسية قدر اهتمامهم بالعصبية الفكرية

.24 23

ابن خلدون: المقدمة

ص

(1)