الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٤٠٤

مقدمة

401

فسارت بالبلاد أحسن سيرة حتى بلغ المعز سن الرشد، وتقلد أمور الدولة معترفاً بصنيع عمته إذ أكرمها عند وفاتها حسبما أورده الرقيق القيرواني ـ الذي شاهد ذلك فقال بأن المعز كفنها بما قيمته مائة ألف دينار وعمل لها تابوتاً من العود الهندي مرضعاً بالجواهر وصفائح الذهب، وسمر التابوت بمسامير من الذهب وزنها ألف مثقال، وأدرجت في مائة وعشرين ثوباً، وذرّ عليها من المسك والكافور ما لا حد له وقلد التابوت بأحدى وعشرين سبحة من نفيس الجوهر (1).

وهكذا بلغت أم ملال بثقافتها وعلمها مبلغ الرجال في تسيير شؤون الدولة لا بل تفوقت عليهم إذ شهد عهد وصايتها على الأمير المعز إخماد الفتنة التي حدثت بفعل انقسام الإمارة، وانشقاق حماد عم باديس وتكوين دولة له في المغرب الأوسط (2).

ولم تكن أم ملال إلا واحدة من بين عدد غير قليل ممن تفوقن بعلمهن وأدبهن من الأميرات والجواري منهم الأميرة أم العلو بنت نصير الدولة باديس، وفاطمة الحاضنة جارية اشتهرت بسعة الإدراك، والحكمة وكذلك أم يوسف حليلة المعز بن باديس وكانت موفورة العقل والعلم.

،

ومن ثم يمكن التأكيد على أن المرأة في بلاد المغرب قد حظيت باهتمام خاص، ونالت نصيبها من العلم والثقافة، ولم يكن ذلك قاصراً على الحرائر والجواري من النساء بل تعدتها إلى طبقات المجتمع الأخرى إذ كانت المرأة تتعلم أمور دينها وما يتيسر من آيات القرآن الكريم لمعرفة كيفية الصلاة، وهذا أمر، وإن كان المؤرخون المسلمون لا يأتون على ذكره إلا في القليل النادر، طبيعي، ويتم هذا النوع من التعليم - في الغالب - على يد مؤدبين من المحارم كما يفعل عيسي بن مسكين مع بنتيه وبنات أخيه، وأسد بن الفرات مع ابنته أسماء. وسحنون بن سعيد مع ابنته خديجة، أو عن طريق الاتصال بمن اشتهرن من النساء يعلمهن وثقافتهن، أو في مجالس خاصة كما كان يفعل العبيديون في مجالس

(1)

(2)

.69

كحالة، رضا عمر: أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام /276/ 2 وما بعدها، عبد الوهاب، حسن حسني شهيرات التونسيات، ص النويري: م. س، 192/ 24 وما بعدها ابن الأثير: الكامل: 182/ 7، ابن عذارى البيان

1/ 264 وما بعدها.