الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٠٩406
الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب
وهكذا كانت مجال الخلف الخلفاء والأمراء، وإن لم تكن مؤسسات علمية بالمعنى الصحيح - تجمع كبار العلماء والأدباء والشعراء وغيرهم. وكانت محكا لإبراز تبرع صحاب العلوم المختلفة، فكانت قصور الخلفاء والأمراء خلال القرن تربع لهجري العاشر الميلادي تسهم بنصيب وافر في إثراء الثقافة الإسلامية. وانكه روح الحركة العلمية، وهي بذلك لا تقل أهمية عن المؤسسات العلمية لتربوية الأخرى، ولعل ظروف الحياة في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، تقده علمي وازدهار ثقافي قد ساعد على ظهور تلك المجالس كم أن ظهور الآراء والمذاهب المختلفة، ودخول عناصر غير عربية في الدين لإسلامي قد أثرى إلى حد كبير الحياة الثقافية. وبدا وكأنه صراع بين الثقافات نو فدة وبين الثقافة الإسلامية.
تسحبه
وقد اختلفت مجالس قصور الخلفاء والأمراء في طبيعتها عن المجالس العلمية الأخرى فظهرت فيها روح الانضباط والتنظيم ومستوى الحاضرين من العلماء فهي تختلف في هذه الناحية عن مجالس العلماء في المساجد والمنازل أو غيرها، والتي كانت تتميز بكل ألوان الحرية والمرونة حيث كان من حق الدارس أن ينضم لأية حلقة شاء وأن يتلقى العلم على أي شيخ أراد وأن ينتقل بكامل حريته من حلقة إلى حلقة. وأن يسأل ويناقش، وأن يتبسط في الحديث بغير كلفة أو قيد. فقد كانت مجالس القصور تختلف في طبيعتها عن ذلك فليس الحاضرها أن يذكر شيئا إلا ما يسأل عنه أو يورد قولا أو اختبارا أو مطالعة إلا ما استأذن فيه. وسبيله أن يخفض صوته في حديثه أو محاورته، ولا يرفعه إلا بقدر السماع الذي لا يحتاج معه إلى استفهامه، واستعادته، وأن يتجنب إيراد حكاية تستمحل أو لفظ يستر ذل (1)
وقد تميز القرن الرابع الهجري بأن الخلفاء والأمراء والوزراء يعدون أنفسهم حماة للعلم ويرون أن قصورهم يجب أن تكون مراكز تشع منها الثقافة والمعرفة. وفي بلاد المغرب كان الخلفاء العبيديون يرون أن الإمام هو مصدر المعرفة
ولا معرفة غير معرفة الإمام وتوجيهاته.
(1)
انظر حول أدب المجالس بين يدي الخلفاء العبيديين، النعمان كتاب الهمة في آداب اتباع
الأئمة. ص 104 وما بعدها.