الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٢٦مقدمة
423
2 - منزل أبي بكر محمد بن محمد بن اللباد (تـ 333 هـ):
كان كما يقول صاحبا معالم الإيمان لا نظير له في علم القرآن قراءته وإعرابه وأحكامه وناسخه و منسوخه مع بسطة في الفصاحة وحفظ الغريب واللغة، ومشاركة في علم الأنساب وبصر بأسماء الرواة، ومعرفة الضعفاء منهم والثقات، وضربت
(1)
إليه أكباد الإبل وكان مجلس ابن اللباد محل متابعة من بني عبيد فحاكوا ضده الدسائس عندما عجزوا عن استمالته إليهم، فقد عرض العبيديون عليه قضاء صقلية فرفض، ولعلهم كانوا يريدون بذلك إبعاده عن الاجتماع بطلابه، وعندما فشلوا في محاولتهم تلك عمل قاضي العبيديين ابن أبي المنهال على الكيد له حتى أودع السجن، ثم أطلق سراحه واشترط العبيديون عليه ألا يفتي و ولا يجتمع إليه أحد،
ولا يفتي إلا بمذهب السلطان (يعني المذهب الشيعي).
فكان ابن اللباد لا يُسمع إلا خفية، فإذا اجتمعوا فتحت لهم الخادم الباب فيدخلون وتغلق عليهم فيقرأون، وكان من بينهم محمد بن أبي زيد القيرواني، (2) وأبو محمد بن التبان وغيرهما
ويوضح صاحبا معالم الإيمان كيف كان طلاب العلم يدخلون منزل ابن اللباد
"
لتلقي العلم عنده بعد محنته مع بني عبيد فيقولان … واتفقت عليه محنة من قبل أشياع بني عبيد وسجن أياماً ثم أطلق ومنع الفتوى، والاستماع، واجتماع الطلبة عليه حتى توفي، وكان أبو محمد بن أبي زيد وأبو محمد التبان يأتيان إليه في خفية وربما جعلا الكتب في أوساطهما وحجزتهما حتى تبتل بأعراقهما خوفاً من بني عبيد أن ينالوهم بمكروه (3)
هذا الوصف الذي أورده صاحبا معالم الإيمان يعتبر كافياً في حد ذاته لمعرفة مدى مراقبة أتباع العبيديين لعلماء مذهب مالك، وتضييق الخناق عليهم، ومنعهم من إقامة حلقات الدرس حتى في منازلهم، وصارت من مهمات أصحاب
(1) الدباغ، وابن ناجي: م. س 22/ 3.
(2)
(3)
.26/ 3
الدباغ، وابن ناجي: م. س. ن. م،25/ 3 المالكي: م. س، 287/ 2.