الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٥٧454
wwwwwwww
الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب
صاحب الأسدية وبين ابن القاسم لا يعدو كونه خلافاً حول بعض القضايا الفقهية التي اختفت بتصحيح سحنون مع ابن القاسم لها. وقد جعل الناس يقبلون عليها ويتركون الأسدية. فأصل المدونة إذن هو الأسدية، ولكن سحنون عند وصوله إلى القيروان هذبها ونسقها تنسيقاً جديداً، وألحق بها بعض اختلافات كبار فقهاء المذهب ومن سمعوا عن مالك، وذيل أبوابها بالحديث والآثار.
وقد خرجت المدوّنة في شكلها الجديد نتيجة جهود ثلاثة من الأئمة مالك بإجاباته، وابن القاسم بقياساته، وسحنون يتنسيقه وتهذيبه وتبويبه وبعض إضافاته. فخرجت المدوّنة منقحة من الأخطاء وانتشرت في بلاد المغرب والأندلس والعراق ومصر، وأصبحت أهم مرجع لأتباع مذهب مالك في كل مكان والمدونة هي أصل المذهب المالكي، وعمدة الفقهاء في القضاء والإفتاء، كما أنها تعتبر
الثاني للفقه المالكي بعد الموطأ، وكانت مذاكراتهم وأحاديثهم حولها (1)
الأصل
وقد ذاع صيت المدوّنة حتى غدت الكتاب الذي يدور حوله الحديث، ولم يحظ كتاب آخر من كتب المذهب بمثل ما حظيت به المدونة فكثرت نسخها وحفظها الكثيرون رغم كبر حجمها، وتم تداولها مشرقاً ومغرباً فشرحوا غريبها ونبهوا على مشكلاتها، ويبدو أن سحنوناً كان معجباً بها حتى أنه أوصى تلاميذه أن يعتنوا بها عندما خاطبهم بقوله: «عليكم بالمدوّنة فإنها كلام رجل صالح وروايته» (2)
ويضيف سحنون تأكيده على أهمية المدوّنة بقوله: «. . . أفرغ الرجال فيها عقولهم وشرحوها وبينوها فما أعكف أحد على المدونة ودراستها إلا عُرف ذلك في ورعه وزهده وما عداها أحد إلى غيرها إلا عُرف ذلك فيه، ولو عاش عبد الرحمن أبداً ما رأيتموني أبداً» (3)
(1)
(2)
(3)
ن. م 272/ 2، ذلك أن مالكاً تكلم في سبعين ألف مسألة كما قالوا حتى إن فتاويه جمعت في مائة جزء جمعها أبو بكر المعيطي، وأبو عمر الإشبيلي، الونشريسي:
المعيار
.
.359/ 6
الونشريسي: م. س 23/ 12، عياض: المدارك 300/ 3
ن. م 23/ 12، عياض: م. س 300/ 3.،