الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي بشير رمضان بشير التليسي

الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٤٦٤

العلوم والمعارف الثقافية

461

وهنا يمكن أن نسأل كيف كان موقف أهل السنة وبخاصة أتباع مذهب مالك على وجه الخصوص من المتصوفة أو الصوفيين؟

والواقع أنه من القضايا الهامة التي تحير الباحث في التفكير الديني لدى المسلمين القضايا المتعلقة بالموقف من التصوّف والصوفية، وبخاصة العلاقة بين هؤلاء والفقهاء والتي هي في الواقع علاقة بين نمطين مختلفين في التفكير والسلوك الأول (المتصوفون) يعطون الأولوية المطلقة لما يسمى علم الباطن، وهو مجاهدة النفس، أما (النمط) الثاني (الفقهاء) فهم يتقيدون بعلم الظاهر أي بالقوانين الشرعية التي أخذها الفقهاء وعملوا بها لتنظيم علاقة الفرد نحو خالقه ونفسه ومجتمعه وقد سلك الصوفية مسلكاً في التفكير والممارسة عارضه بشدة قسم كبير من الفقهاء، ومرت العلاقة بين الطرفين بتطورات ومراحل لم تخلُ من فترات تأزم واصطدام، غير أن الأمر قد آل إلى التصالح آخر الأمر جعل التصوف يتبوأ مكانة هامة لدى الأغلبية الساحقة من الفقهاء.

?

تصفه

وفي إفريقية على وجه الخصوص نشب نوع من الاحتكاك بين الصوفية وبين بعض فقهاء مذهب مالك خلال القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، حول قضية يعتبرها المتصوفة أهم قضاياهم وهي قضية كرامات الأولياء، وقف فيها عالمان بارزان وجها لوجه على الساحة العلمية القيروانية في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، وهما كبير علماء المالكية في وقته أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (ت 386 هـ / 996 م) (1) من ناحية، ومن كتب التراجم بـ (الشيخ العارف إمام الحقيقة وشيخ الطريقة أبي القاسم عبد الرحمن ابن محمد البكري الصقلي (ت قبل 386 هـ / 996 م) (2) من ناحية أخرى، فانطلق نقاش جاد بين الطرفين عرف من التطورات ما خرج به عن نطاق القيروان لتشارك فيه أطراف أخرى في المشرق ويمتد تأثيره إلى الأندلس. ولئن كان هذا لوحدة يكسب القضية أهمية كبرى فإن لها من الجوانب الأخرى ما يؤكد حقيقة العلاقة

بين الصوفية والفقهاء، وبخاصة المالكية منهم.

(1)

(2)

الدباغ، وابن ناجي: م. س، 118/ 3.

ن. م. 244/ 3.