الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٩١488
الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب
فهذه المؤلفات عبرت عن اتجاه مؤلفيها واهتمامهم بعلماء المذهب المالكي
دون سواهم من علماء المذاهب الأخرى كالشيعة والخوارج في بلاد المغرب. أما الفلسفة فلم يكتب لها أن تزدهر في بلاد المغرب وذلك للرفض الذي كان يلقاه علماؤها من أتباع السنة مشرقاً ومغرباً إذ اتهموا بالكفر والخروج عن الدين وهي صفات كافية لإقلاع محبي الفلسفة عن الكتابة فيها
ولم يتمكن العبيديون من دعم الفلاسفة، رغم حاجتهم لدعم مذهبهم
و سياستهم فلسفيا واقتصر عملهم على فلسفة مذهبهم والدعاية له. على أن ذلك لم يتعد دعاة المذهب وأتباعه لأن ما روّج له العبيديون من أفكار لم يلق قلوباً مفتوحة وآذانا صاغية بين سكان بلاد المغرب. وبخاصة العلماء الذين اتهموا العبيديين بالكفر والخروج عن الدين وبذلك لم يكتب للمذهب الشيعي العبيدي أن يصمد في بلاد المغرب إذ إنه انتهى تدريجيا بعد خروجهم.
·
على أن علم الكلام أصبح ظاهرة في بلاد المغرب بسبب رغبة العلماء في مناظرة بعضهم البعض، واعتمادهم الحجة لإفحام خصومهم ولعل ذلك هو السبب في دخول مذهب أبي الحسن الاشعري وتبني بعض العلماء له من بينهم أبي
الحسن القابسي.
ومن ثم يمكن التأكيد بشيء من الاطمئنان أن العلوم الدينية والأدبية عموما قد وجهت توجيها متعمدا لخدمة أغراض واتجاهات مذهبية وسياسية والتأكيد عليها إذ إنه في مقابل ما كتبه علماء المذهب المالكي كتب علماء المذهب الخارجي والمذهب الشيعي وفق اتجاهاتهم المذهبية كالقول بأحقية الأئمة العبيديين في الإمامة دون سواهم فجردوا لذلك أقلامهم وأهمها ما كتبه القاضي النعمان بن محمد المغربي قاضي قضاة الدولة العبيدية في دورها المغربي.
*
وهكذا كانت العلوم عموما سبباً في ازدهار الثقافة كما كانت تخدم أهدافاً واستراتيجيات سياسية ومذهبية حتى غدت الكتب التي ألفت لخدمة تلك الأغراض تنافس ما تم تأليفه في الأندلس والمشرق بل تتفوق عليه في أحيان
كثيرة.