الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٩٩496
الاتجاهات الثقافية في بلاد المغرب
الميادين، فارتفع مستوى أداء الأطباء وكفاءتهم، وبخاصة بعد ترجمة أغلب جميع كتب الإغريق في الطب، فظهر عدد غير قليل من نوابغ الأطباء في الشرق، وفي بلاد المغرب أيضا، فأصبحت الخدمات الطبية أكثر نجاعة، وأكثر اتباعا للمنهج العلمي سواء في تقديم الدواء أو في علاج الجروح عند الإصابة وحمايتها من التلوث، ومنع تقيحها والحد من عمل الجرائم وإن لم يكتشفوها بعد، وإنما تجاربهم وملاحظاتهم كانت المحك والدليل المنطقي لأعمالهم التي اتبعوها في الحفاظ على جراح مرضاهم ومقاتليهم من التلوث وخير طريقة اتبعوها لهذا الغرض في الجزيرة العربية وفي بلاد المغرب أيضا هو الأسلوب الشائع قبل الإسلام وبعده هو القار، والكي بالنار - بأية طريقة - الكي المباشر أو باستعمال الزيت المغلي والقطران الساخن أو الفحم والصمغ
(1)
وهذا هو الأسلوب العلاجي الذي اتبعه الجراحون والأطباء المغاربة، وهو نفس المسلك الذي سلكه الأطباء العرب في شبه الجزيرة العربية، والعراق وغيرها في منع التلوث، والحفاظ على الجروح نظيفة ومتماثلة للشفاء دون حدوث
مضاعفات.
وكذلك استطاع أطباء بلاد المغرب التحكم في وقف نزيف الدم من الجروح برش المساحيق المعقمة التي استخلصوها من بعض النباتات التي لها خاصية وقف النزيف، كما استعملوا الضمادات واللفافات فوق تلك الجروح، وعدم خياطتها حتى يتم تنظيفها وبخاصة الجروح العميقة دون الاهتمام بسطح الجروح، وترك العمق عرضة للتعفن والالتهاب إلا إذا تعذر وقف النزيف فإنهم يلجأون إلى خياطته من الأطراف، وفي نفس الوقت يستعملون أسلوبا علميا آخر بكي الجرح، وفي ذلك ضمان للمحافظة على الجرح نظيفا وسليما.
ومما لا يقبل الجدل أن الأطباء في المشرق والمغرب قد استفادوا من خبرة الإغريق، ولكنهم لم يقفوا حيث وقف علماء الإغريق بل أضافوا الكثير وابتكروا نظريات وطرقا علاجية في حقل علم الجراحة، وخير دليل على ذلك ما قدمه أبو القاسم الزهراوي الأندلسي الذي كانت تعاليمه ومعلوماته، ووسائله وآلاته أساسا
(1)
التكريتي، راجي عباس: الإسناد الطبي في الجيوش العربية الإسلامية، ص
.198