الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٥١48
يوسع
الاتجاهات الثقافية في الغرب الإسلامي
أملاكه حتى وصلت حدود تلمسان، وشهدت الدولة في عهده فترة من الازدهار، وتوفي إدريس الثاني 213 هـ / 828 م. وتولى ابنه محمد الذي قسم الدولة على إخوته ظنا منه بأن ذلك سيزيد من قوة الدولة الأمر الذي أدى إلى قيام منازعات بين الإخوة، كانت سببا في ضعف قوتهم، وتفرق كلمتهم، وخضوع بعضهم لبعض عن طريق القوة فاستحكمت العداوة بين أبنائهم، وتفرقت كلمتهم. وقد وصف اليعقوبي بعض تلك المنازعات المستمرة بين يحيى بن يحيى صاحب عدوة القرويين في فاس وبين داود بن ادريس صاحب عدوة الأندلسيين بقوله:. . . كل واحد منهما يخالف على صاحبه يدافعه ويحاربه» (1).
وقد أدت هذه الأوضاع إلى طمع أحد الطامعين ويدعى عبد الرزاق الخارجي إلى امتلاك مدينة فاس لفترة من الزمن إلى أن تمكن الأدارسة من استرجاعها على يد يحيى بن القاسم بن ادريس المعروف بالصرام». وظل أمر الأدارسة متفرقاً حتى قيام الدولة العبيدية في إفريقية عام 297 هـ / 909 م (2).
هذه صورة عن حياة دولة الأدارسة، وما ذهبت إليه من الفرقة والانقسام الذي بدأ منذ وقت مبكر من قيام هذه الدولة التي شهدت منذ بدايتها مقتل مؤسسها ثم مولاه ووصيه على العرش (الإمارة)، ثم كانت القسمة التي أشارت بها جدتهم كنزة، ورضي بها الأمير محمد فكانت تلك سببا حقيقيا في تفرق الأدارسة، وفقدان مكانتهم وسيطرتهم كقوة موحدة في المغرب الأقصى.
وعلى الرغم من أن المصادر التي بين أيدينا تشير إلى أن هذه الدولة ليس لها من المغالاة في التشيع، فإن وجودها في حد ذاته قد خدم تلك القوة الجديدة التي ستحل ببلاد المغرب وهي الدولة العبيدية، فقد مهدت أحداث مقتل إدريس بن عبد الله مؤسس دولة الأدارسة إلى زيادة التعاطف آل بيت الرسول صلى الله مع عليه وسلّم. على أن ذلك لا يعني أن أهل المغرب قد اعتنقوا المذهب الشيعي، وأصبحوا من المغالين فيه. ذلك أن الأدارسة أنفسهم لم يكونوا من المغالين في التشيع، وقد عرف صاحب مذهبهم بالتسامح وعدم التشديد وهو مذهب الإمام
(1) (2)
اليعقوبي: كتاب البلدان، ص
.358
ابن خلدون، م. س، 30/ 4 - 31.