الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٧٧74
(1)
الاتجاهات الثقافية في الغرب الإسلامي
كما فعل عيسى بن مسكين. وسحنون بن سعيد (2)، ويستهدف هذا الشرط أمرين: أولهما: أن يكون القاضي مستقلا عن السلطة في أحكامه وثانيهما: أن يكون القاضي بعيدا عن الهوى في أحكامه حتى يوصف بالنزاهة في عيون الناس ولذلك نرى أن كثيراً من القضاة كانوا يعرضون ممتلكاتهم أمام الناس لكي يستطيعوا أن يروا بأنفسهم ما إذا كان سيزيد من ثروته أثناء ولايته وثمة العديد من الحكايات التي تنم عن صفاء النية، وكلها على الأغلب مشكوك في صحتها، ولكنها ذات
دلالة.
على أن النزاهة من جانب عظماء القضاة قد أصبحت مضرب المثل في سلوك هؤلاء القضاة، فقد روى المالكي أن سحنون بن سعيد قاضي القيروان لم يبد رأياً في إحدى المسائل الفقهية رغم مرور ثلاثة أيام على عرضها عليه وإمعان فكره وعلمه فيها، وقد أخبر سحنون السائل، وقد نفد صبره بأنه في حيرة لكثرة الآراء المتعلقة بالمسألة فقال السائل: وأنت أصلحك الله لكل معضلة فأجابه سحنون: هيهات يا بن أخي ليس بقولك أبذل لك لحمى ودمي للنار. ما أكثر ما لا أعرفه (3). وكان ابن طالب القاضي قد تجاوز في تردّده حتى أكثر مما فعل سحنون، وكذلك كان يفعل عيسى بن مسكين ومن على شاكلتهم.
ومن ثم فإن دولة الأغالبة بنظمها الإدارية والقضائية قد وفرت حالة من الاستقرار والهدوء التي مكنت الدولة من وضع قاعدة ثقافية كان أساسها تلك المؤسسات التي بناها الأغالبة أو قاموا بدعمها وصيانتها لتكون أداة لتوسيع الثقافة وتحديد اتجاهاتها في افريقية التي كانت مركز استقطاب العلماء والمثقفين في سائر
بلاد المغرب.
ولعلَّ من المفيد أن نلقي نظرة على أهم تلك القواعد الثقافية والمتمثلة في الجامع الأعظم بالقيروان، وجامع الزيتونة بتونس وغيرها من مراكز الثقافة التي
أنشأها الأغالبة أو ازدهرت على عهدهم:
(1)
(2)
(3)
.143
الخشني: طبقات علماء إفريقية، ص المالكي: م. س، 1/ 375 (تحقيق، حسين مؤنس). ن. م، 255/ 1