الاتجاهات الثقافية في بلاد الغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٧٩76
:
الاتجاهات الثقافية في الغرب الإسلامي
تولي سحنون بن سعيد التنوخي أمر القضاء بالقيروان حوالي عام 233 هـ (1) وقد اتفقت كلمة المؤرخين وأصحاب كتب التراجم والطبقات على أن سحنوناً كان أول من فرق حلق أهل البدع من المسجد الجامع، وشرد أهل الأهواء منه، وكانوا فيه حلقاً من الصفرية، والأباضية والمعتزلة، وكانوا فيه حلقاً يتناظرون ويظهرون زيغهم فعزلهم سحنون أن يكونوا أئمة الناس ومعلمين الصبيانهم، وأمرهم ألا يجتمعوا فيه وأدب جماعة منهم بعد أن خالفوا أمره» (2).
على أن المسجد الجامع بالقيروان قد استمر في أداء رسالته التي أصبحت مقصورة على تدريس علوم الشريعة لجماعة أهل السنة دون غيرهم، كما كانت تدرس به علوم العربية والآداب مع إقبال عظيم من جانب الطلبة الذين اكتضت بهم حلق المسجد، وكانوا يتوافدون لطلب العلم من جميع أنحاء افريقية، وبلاد المغرب والأندلس، وحتى بلاد السودان الغربي على غرار ما نعرفه بجامعة القرويين بفاس.
واللتدليل على مدى كثافة الطلاب الدارسين بالجامع الأعظم بالقيروان نستشهد بما رواه القاضي عياض بقوله:. . . . . كان يحيى ابن عمر) يجلس في جامع القيروان ويجلس القارئ على كرسي ليستمع من بعد من الناس لكثرة من يحضره (3)
على أن وظيفة المسجد الأعظم بالقيروان قد تعدت حلقات العلم والتدريس التي كان يقيمها عدد من كبار العلماء كسحنون بن سعيد ويحيى بن عمر، وغيرهما، بل ربما كان من أخص وظائفه أن كان المركز الكبير للحياة الاجتماعية والسياسية أيضا ففيه يتم التقاضي بين الناس، وفيه كان الأمراء الأغالبة يعقدون اجتماعاتهم العمومية لأخذ رأي الأمة في الشؤون المهمة التي يعتزمون القيام بها، مثل تجهيز الغزوات البعيدة بقصد إشراك الشعب فيها، أو لمناسبة اختيار قاضي الجماعة إلى غير ذلك من الأغراض.
(1)
(2)
أبو العرب تميم: م. س، ص 184، ابن عذاري: م. س، 109/ 1. أبو العرب: م. س، ص 184 الدباغ، وابن ناجي: معالم الإيمان، 87/ 2، عياض: ترتيب
المدارك: 60/ 4.
(3)
عياض: م. س 358/ 4.