الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١١١عدالة الإسلام
في سير الحكام
حدثتك أيها القارئ الكريم في الفصول السابقة عما يقرب من ثلاثين بطلا من أبطال الإسلام من الذين تولوا الحكم في ليبيا، أو في بعض أجزاء ليبيا. ولم أقصد بالحديث عن هؤلاء الأبطال، أن أقص عليك تراجم حياتهم، أو أن أعرفهم لك تعريف المؤرخ الذي يعنى بكل شأن ولا أن أربط بين تسلسل الأحداث التاريخية، لست أقصد شيئا من ذلك، لأن هذا الكتاب لم يوضع اريخ، وإنما قصدت أن أعرض عليك صورا من تاريخ الإسلام. في سير أبطاله، تجد فيها العلم والبطولة، وتجد فيها الإيمان والشهامة، وتجد فيها الاستقامة والعفة، وتجد فيها التضحية والإيثار، وتجد فيها صورا من حياة المسلمين كما كانوا في الصدر الأول، وتجد فيها الوقوف عن حدود. د الله.
تلك الصور الرائعة التي تمثل العدل المطلق، والمساواة المطلقة أبناء الأمة، لا يرتفع فيها شخص إلا بإيمانه، ولا ينحدر فيها بين إلا بعصيانة.
ولقد كنت أنقل هذه الصور على بساطتها وأنا آمل أن يقرأها اثنان من الأمة: الأول رجل وجد منصبا في الدولة، وكرسيا
للحكم، وأعطى له حق التصرف في شأن من شؤون الشعب.
عنقه أمانة
من
وأملي في هذا الرجل الذي وضعت في. أمانات هذه الأمة – سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وأملي في هذا الرجل
أن يجد في هؤلاء الناس قدوة حسنة، فيتخذ منهم مثلا يحتذيه، ويجعل من سيرتهم منهاجا يسير
وعملا بدين
الله
عليه.
أما الثاني فرجل يقف في مصاف الشعب العادي، ليس له من الحياة والسلطان أو المال ما يرفعه في أعين من يزنون الرجال بالمادة، وأملي في هذا الرجل أن يتخذ هو الآخر عبرة، وأن يعرف أن كرامة الإسلام تمنعه أن يرضى الظلم، وأن يسكت عن الانحراف عن جادة الله، وأن الحق يخوله أن يحاسب أولئك الذين يعبثون بمقدراته، وأن الإسلام يجعله في صف واحد مع أكبر ذي سلطة في الدولة، وأعظم ذى ثروة في الأمة، لا يفضلانه بشئ أبداً إلا أن يكون تقوى لله وتاريخ صدر الإسلام في زمن النبوة والخلافة الرشيدة ليس فقيراً من أمثال هذه الصور التى أنقلها لك، من تاريخ جانب من جوانب الأمة، في جزء صغير من الوطن الإسلامي الفسيح، ولكن دعاني إلى أخذ هذه الشواهد من غير ذلك العصر الحافل بالمجد والعظمة سبب بسيط، وذلك أنني كثيراً ما أتحدث مع الناس عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجيبني البارعون في النقاش منهم: " ذلك شخص عصمته الرسالة، وأولئك قوم شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمعوا إلى الوحي وهو ينزل من السماء، فالمسافة بين طبيعة الحياة عندهم وطبيعة الحياة عندنا شديدة البعد.
217
216