الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ١١٠

الإباضية

الجيوش التي بدأت تتعثر بين مسالك الجبل، وامتلأت قلوب هؤلاء المهاجمين بالرعب، فولوا الأدبار، لا يلوون على شئ.

وكم كانت ظريفه تلك الحيلة التي لجأ إليها سكان هذه

القرية الضارية في الهواء تطاول النجم وتغازل القمر. لقد خطر للميُّورقى أن يعاود الكرة، وأن يهجم هذه المرة على هذه القرية التي تسمى الجزيرة والتي روعت جنده في يوم من الأيام فيضربها الضربة القاضية، يستطيع من بعدها أن يستمر في حروبه دون خوف فجهز جيشا وجاء به إلى سطح هذا الجبل الذي تقع في قمته الجزيرة الصغيرة الضاحكة، وأطال الحصار واجتمع شباب القرية يتداولون الأمر، وفكروا في حيلة لعلها تعتبر أبرع حيلة قام بها المحاربون في التاريخ، وفي ليلة شديدة الظلام انفلت جمع من شباب القرية، وأخذوا مجموعة من الجمال وحملوها حطبا، ولما اقتربوا من جيش العدو الهاجع آمنا مطمئنا إلا عددا من الحرس منبثين هنا وهناك، يداعب النوم أجفانهم، ويلوى أعناقهم، وجه أولئك الفتية أعناق الإبل إلى معمعة الجيش، وفي خفة ولباقة أشعلوا النار في الحطب الذي على ظهورها، ثم انفلتوا هاربين وأحست الجمال بالنار تلسع ظهورها، فاندفعت بما يملك من قوة محدثة جلبة ورغاء في ذلك الظلام الحالك، واستيقظ الجيش على هذا الدوي العظيم. والاندفاع العنيف، والنار المشتعلة، فظن القوم أنهم أحيط بهم، واندفع كل واحد مهم إلى سلاحه، يقتل من لاقاه أو أحس به، ويركن إلى الفرار …

وأصبح الصباح، فإذا بعدد غير قليل من جثث القتلى، وإذا بأموال وسلاح وعتاد خلفه الجيش المنهزم الذي قضى على نفسه بنفسه، وجاء أبو يحيى زكرياء وفتيانه فدفنوا الموتى من الأعداء. اما ما ترك العدو من أموال. فهي لا تحل لهم، ولذلك فقد رأى أكثر المشائخ في ذلك الحين أنه يجب أن تحرق، وأن لا يتركوا شيئاً

من المال الحرام يدخل إلى جبلهم هذا الجبل الذي لا يزال يحتفظ بطهارة الإسلام.

لست أدري هل استوحى شباب هذه القرية حيلتهم البارعة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق. أم أنها خطرت لهم دون أن يرجعوا إلى تاريخ الإسلام الحافل بالعظمة والبراعة والفكرة …

صمد أبو يحيى زكرياء الباروني لهجمات الميورقي ولغيرها

من الهجمات، ورد بعضها بالعنف ورد بعضها بالحيلة، ورد بعضها بالصلح، إنه حافظ على هذا الوطن العزيز الأبي، فلم تدنسه أقدام البغاة الذين لا يتقيدون بدين ولا خلق ولا ضمير .. وذهب الميورقي إلى ربه بما قدمت يداه، وحفظ التاريخ هذه

الأمجاد ..

أمجاد الإيمان والشهامة والعفة لهؤلاء الناس الذين وضعت في أيديهم أمانة الله فرعوها حق رعايتها، وأمانة الأمة فحفظوها. من أنفسهم، وحفظوها من عدوان المفسدين.

215

214