الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١١٣الإباضية
ولن تجد عندهم القصور الشامخة والجواري الحسان، إنهم كانوا يعيشون على شظف من العيش كما عاش خير الخلق عليه السلام، وكما عاش خلفأوه الأتقياء من بعده، لا يشبع الواحد منهم في حياته الطويلة وكفاحه المستمر بالخبز والزيت. وليس ذلك للحاجة والفقر، ولكنه لقوة الإرادة والتغلب على وسوسة الشيطان والهوى ..
ولقد يسأل القارئ الكريم عن أسباب هذه الاستقامة التي وجدت في جميع حكام الإباضية تقريباً، لا يشذ عنهم إلا النزر اليسير؟ وللجواب عن ذلك نحيله إلى القواعد التي اعتمدها المذهب الإباضي في قضية الحكم غير متأثر بعواطف الشيعة، ولا عنصرية الأموية، ولا ربكة الشعوبيين: فالمسلم الإباضي لا يعترف بحق الوراثة في الحكم، ولا يصدق بقضية العنصرية، في اختيار الحاكم، ولا يطيع من لا يطيع الله ويقيم حدوده ويحكم بما أنزل.
ولذلك فهو أولا يختار من يضع بين أيديهم مقدرات الأمة. ويتبني هذا الاختيار على الكفاءة المطلقة، الكفاءة العلمية
لا
والكفاءة الدينية، والكفاءة، الخلقية والكفاءة العقلية. ثم هو. يقر على الحكم من ينحرف عن صراط الله المستقيم: الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، والسلف الصالحون المصلحون.
فكان أولئك الناس الذين يقع عليهم الاختيار لتحمل أعباء الحكم، يجهدون أنفسهم للقيام بالواجب، والمحافظة على
=
السيرة المرضية، وهم مع هذا الحرص يخشون عذاب الله من التفريط، ويخافون نقد الأمة من التقصير، فإن الحاكم الذي يعجز عن القيام بالمهام التي أسندت إليه – إما ضعفا عنها، أو انحرافا عن سبيل الله يجب عليه أن يتخلى عن هذه المسؤولية التي لم يسـ تطع تحملها، فإذا خطر له أن يستمسك بها على هذا القصور أو التقصير، وجب قتاله وقتله، وإسناد الأمر إلى من هو أهله … حدثتك إيها القارئ الكريم عن هؤلاء الرجال الذين أسند إليهم الحكم في هذا الوطن الكريم: ولم اخترهم لشرف الحكم كما قد يتبادر إلى ذهن بعض القراء الكرام. فأنا لا أرى في الحكم مظهراً للشرف، ولا مدعاة للفضل، إن الحكم في نظري ينقسم إلى قسمين: - أحدهما: هذا المظهر هو أحقر عمل يسعى إليه إنسان يؤمن بدينه، ويؤمن بخلقه، ويؤمن بإنسانيته … أما أولئك الذين يزدحمون عليه في إصرار فهم حمقى، أعوزتهم العظمة في هم فراحوا يلتمسونها في سلطة الحكم، ومهما بلغ أولئك الرجال من العظمة في ظنهم، فهم أحقر من أن ينظر إليهم التاريخ الحق نظرة التقدير والتعظيم. فإن العظمة لن تكون أبداً بمبالغ وافرة من المال، تؤخذ من الشعوب، ولا بأرواح كثيرة تزهق ظلما وعدوانا، ولا بقهر وجبروت وطغيان مسلط على الضعاف: ولقد وصل الفراعنة إلى ما وصلوا إليه من جمع الثروة واستعمال السلطة، ولكنهم لم يكشفوا بكل ما فعلوه إلا عن أنفس مريضة تتطلب الخلود في دنيا الفناء ....
أنفس
221
220