الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

الإباضية

إن الإباضية أبغض الأمة لإراقة الدماء، وأبعد الناس عن أن يكونوا سببا في إشتعال حرب، وحينما يضطرون إلى ذلك بسبب العدوان الصارخ الذي يسلطه الجبابرة، لا يزيدون عن رد هذا العدوان بأيسر سبيل، وبأقل ما يمكن من الأذى، وهم في كل ذلك ينظرون إلى هؤلاء المعتدين بنظرة الأخ إلى أخيه المخطئ يحاول أن يرد أذاه دون أن يلحق به أذى، وراجع أيها القارئ الكريم كتب التاريخ المطولة عن مواقف الإباضية ضد المعتدين عليهم. إقرأ ذلك حتى عند أشد الناس بغضا لهم، مثل الأستاذ الزاوي، فإنك إذا تأملت حقائق التاريخ وأحداثه وجدت فيه الصورة التي رسمتها لك، ولم يستطع الأستاذ الزاوي - مع حرصه على تنقص هؤلاء القوم - على أن يزيد عن كلمات سباب يطلقها عليهم فيرميهم مرة بالبحث عن الفتنة ومرة بالتماس الثورة. وقد يرميهم دون خوف من الله بالمنافقين 65.

قال لي أحد الإخوان وهو يطالع فصلا من فصول الحلقة الأولى من هذا الكتاب: إنك تدافع عن الإباضية في حرارة. فقلت له إن موقفي هو موقف الإباضية في جميع أدوار تاريخهم، إنهم لم يبدأوا يوما بالعدوان، سواء كان ذلك في الميدان العسكري أو في الميدان العلمي. ولكنهم في أكثر الأحيان يقفون موقف الدفاع المشروع الذي تدعوا إليه عزة الإسلام وكرامة الإنسانية. وليس ذلك الدفاع خاصاً بالميادين العسكرية، فإن طريقتهم في الدفاع واحدة: لا بغي ولا عدوان، ولا سلطان للغضب على نفوسهم وألسنتهم وهم في دفاعهم العلمي عندما يردون العدوان على الفكرة، أو العدوان على المبدأ، أو العدوان

على العقيدة، لا يتجاوزون في دفاعهم الحدود للنقاش النزيه والاعتماد على الأحداث الواضحة من التاريخ والبراهين البينة من الكتاب والسنة وسيرة السلف أو الحجة الظاهرة من المنطق المعقول، ثم هم في كل ذلك لا يضيعون الفرصة على الخصم، ولا يغلقون في وجهه الأبواب، ولا يقيمون دون آراء غيرهم الحواجز، ولعل علماء الإباضية بلغوا في إنصاف المخالفين لهم درجة لم يبلغها علماء أي طائفة أخرى، سواء كانت دينية أو فكرية، والذي يطالع أي كتاب من كتب الإباضية المطولة، لا ينتهي من قراءته تى يعرف إلى جانب آراء الإباضية آراء غيرهم من المذاهب الإسلامية، ويعرف الأقوال الراجحة عند الإباضية وعند غيرهم المذاهب الإسلامية الأخرى وليس ذلك في مقام الرد، بل في مقام البحث والتفصيل، وبسط المسائل وشرحها، واستخلاص آراء العلماء ونظرياتهم، وبينما يقف أغلب علماء الفرق الأخرى من الإباضية موقف المتحفز المستوفز المنكر لوجودهم، الجاحد لتراثهم الفكري القيم، يعاملهم الإباضية بكل تسامح وإنشراح صدر إن الموقف العلمي بين الإباضية وغيرهم شبيه كل الشبه بالموقف العسكري: تفهم وتسامح واحترام آراء، وتعامل إسلامي من جانب: وعدوان وجحود وإنكار من الجوانب الأخرى. ولست أدري أى السبيلين أقرب إلى الخلق الكريم وأدنى إلى الحق، وأهدى منهجاً

من

ومسلكا؟!!!

ولعل الله

پيسر لى السبيل للعمل، فأضع صورة للمقارنة بين الموقفين في بعض فصول هذا الكتاب.

235

234