الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٣الإباضية
التابعة لتلك الدولة الظالمة ترزح تحت اعباء الضرائب الباهظة، والاستغلال المشين، وكان أبو الخير الزواغي رجل علم ودين لا يأبه للدنيا ولا يملك منها فجاءه يوما عامل 56 الحكومة الظالمة يطالبه بدفع مائة دينار للدولة وفكر الشيخ العالم طويلا ثم استمهل العامل وصعد إلى جبل نفوسة، وقصد إلى صديقه المخلص أبا علي الفساطوي فأخبره الخبر، فقام أبو علي وأحضر إليه مائة دينار ثم قال له: ادفع عنك الأذى.
ورجع أبو الخير إلى زواغة ودفع المال إلى العامل الظالم، ولكن العامل بداله، فلم يلبث أن انتشرت رسله تبحث عنه في كل وجهة، وأرشدهم الناس إلى مصلى أبي الخير على شاطئ البحر حيث يفرغ من دنيا الناس ليناجي ربه، فما وصلوه حتى ذهبوا به إلى العامل، فقال العامل للشيخ خذ مالك. وأخذ الشيخ المال وصعد إلى الجبل ليرجع المال إلى صاحبه أبي علي فقال أبو علي: ما كنت لأخذ مالا أعطيته لله واحتار أبو الخير مرة أخرى. هذا من المال، فهذا العامل الظالم يفر منه بعد أن أخذه، وهذا صاحبه أبو علي يمتنع من استرداده، أفيحفظ به هو؟
ويجب
وأشرقت في قلبه المؤمن فكرة .. إن هذا المال لله أن يفرق على عباد الله. ووقف أبو الخير يفرق المال على الفقراء والمساكين لا يمسك منه لنفسه دينارا ولا درهما.
عرض أبو علي على أبي الخير أن يقاسمه – ماله وكان صاحب ثروة عظيمة - فقال أبو الخير مستنكراً: ما أريد بمالك يا أبا على؟.
إن أبا الخير لو أراد أن يملك مالا لسلك السبيل التي يسلكها
طلاب المال، ولكنه لا يقيم للدنيا وزنا ولا يجعل لها حسابا. كان أبو الخير لا يفتأ بين زواغة وجبل نفوسة، ماراً بهذه الأحياء الضاربة في السهل الفسيح، يفصل مشاكلها، ويعلمها أحكام دينها ويأمر بمعروف هي في حاجة إليه، وينهاها عن منكر برز بسبب الجهل بدين الله .. وكان لا يطيل الإقامة لا في الجبل ولا في زواغة، فقد كان يضع حديدة في رف عندما يدخل زواغة، ويتفقدها من حين إلى حين، فإذا وجد أن صدأ بدأ يعلوها قال: هذا الحديد قد صدأ أفلا تصدأ القلوب؟! .. ثم يسافر ليزيل الصدأ عن قلبه وقلوب إخوانه المؤمنين: إما في الطريق وإما في الجبل فيفيد علما وخلقا ودينا
ويستفيد شكا إليه بعض الناس حاله فقال: أشكو إليك من قلب قاس، وعقل لا يفهم، ولسان لا يسـ يسأل، وبدو لا يخشع، ويد لا تعطى، ورجل لا تزور …
فقال أبو الخير: دواء الست بالست: محبة المسلمين، وقراءة القرآن، والتضرع إلى الله عند السحر، وقيام الليل، والصيام. وزيارة المسلمين 57.
هذه هي " قائمة الأدوية " التي اعطاها هذا الطبيب النفساني لهذا المريض. وهذا الجواب يكفي للدلالة على منزلة
أبي الخير في العلم والدين وفهم أسرار النفس البشرية. هذا رجل يشكو من قساوة قلبه فما هو العلاج؟ .. قال أبو
377
376