الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٤١

الإباضية

إن المرأة في ذلك العصر لم تكن أقل من الرجل علما وفقها في الدين، ومعرفة بأسرار الشريعة واستمساكا بالحق.

??

3 - ارتحل أبو معبد الجناوني إلى قنطرارة " تيجي " والتحق

بمدرسة د سعيد بن أبي يونس الطمزيني، ودرس حتى ظن أنه بلغ الغاية عن العالم الكبير، وقفل راجعا إلى مدينته جناون فمر في طريقه بقرية " نَدْباس " هذه القرية التي تقع على الضفة الغربية لوادي الزرقاء الجميل، والتي تستقبل قبلة الشمس عند البزوغ كل صباح.

وتبعث بتحاياها الرقيقة إلى زميلتها " مزو " المقابلة لها على الضفة الشرقية من الوادي فوجد أمة تسقى الماء من صهريج خارج القرية، وكان قد بلغ منه الجهد والعطش، فاتجه إليها وطلب منها أن تسقيه، فنظرت إليه في استنكان وقالت له: أتستخدم أموال الناس ياجاهل 66؟

وصدمه الجواب العنيف! أبعد كفاحه الطويل في طلب العلم تعيره أمة بالجهل؟ ورجع إلى نفسه، وتاب إلى رشده، وأذعن للحق، وعرف أن دراسته نظرية بحته، وأنه في حاجة إلى المزيد، ورجع من مكانه ذلك إلى المعهد الذي كان يدرس به، فأقام فيه وأطال الإقامة حتى اصبح علما بين العلماء، ومرجعاً للنبغاء.

إنه فضل المرأة التي تعرف حدود الدين ومنتهي الحقوق. وشبيه بهذا الموقف موقف بهلولة مع أبان:

كانت بهلولة 67 امرأة عالمة صالحة وكان أبو ذر أبان بن وسيم

مثلها علما وصلاحا، فكان يزورها يقتبس من علمها وخلقها وتقتبس من علمه وخلقه، وأعجب بها فخطبها إلى وليها. وجاءها يوما فرحا مستبشرا فاس تأذن فأذنت له وفتحت الباب وبادرها يخبرها أن خطبها من وليها، وأن الولي وافق وعقد العقد، فاغلقت في وجهه الباب ثم قالت له: كنت تدخل إلينا بأمانتك ففتحنا لك، والآن صرت مدعيا، فإن أتيت بينة رضينا بك زوجا، وإلا فانصرف، ثم قالت له إنك أمين ولكنك احتجت إلى الأمناء، ولو كنت أبانا.

واضطر العالم الشيخ الورع، أن يثبت دعواه بشهادة الشهود. وإقرار الولي حتى رضيت به بهلولة زوجا وكانت له نعم الزوجة وكان لها نعم الزوج، فما عرف أن زوجين تشابها خلقا وعلما ودينا كما تشابه هذان الزوجان. وقد دلت الحادثة السابقة أنها أملك منه لزمام نفسها واكبح لعاطفتها، وأرسخ قدما في الوقوف عند حدود الشرع وتطبيقه، فلما استخفه الفرح بموافقة الولي على خطبته لها لم يجعل لشئ آخر حسابا، أما هي فقد طبقت عليه أحكام الشريعة السمحة تطبيق العالمة المؤمنة، التي تراعي الدقة والحق في الأحكام، فلم تعتمد على معرفتها الشخصية لأبان. ولم تستجب منه، وإنما رجعت في تلك القضية إلى حكم الله، ذلك لأنها كانت عالمة بحكم الله.

وإذا اجتمع العلم والإيمان في قلب إنسان – ذكراً كان أم أنثى - أكسباه مناعة خلقية تسمو به عن العواطف والحظوظ

453

452