الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٧٦الإباضية
الحين على. ما يتصوره الزاوي نفسه، ونرى ما هو الحكم الديني الصحيح الذي يمكن أن نطلقه على أولئك الناس الذين
تفصل بيننا وبينهم عشرة قرون.
هذا ملك غرته الحياة الدنيا ونسى أنه بشر ضعيف، وخدعه الشعراء بقولهم فيه:
ماشئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
هذا الملك المغرور الذي يستمع إلى الكفر الصراح يمدح به يجهز جيشا ينفق عليه الملايين من أموال الأمة، ليحارب به المسلمين في مصر وسوريا، فإذا كان ببعض الطريق يفر جمع من هذا الجيش الذي يرغم على محاربة الإخوان في الدين ويلتجئون إلى حمى منيع لا تصله يد هذا الملك، فما هو الحكم فيهم يأترى؟
إن الأستاذ الزاوي يحكم عليهم بأنهم منافقون؟ فما هو الإيمان إذن في نظر الزاوي؟ إنه استعباد الناس، واستحلال دمائهم وأموالهم، ومشاركة الله في ملكه، والعدوان والبغي والظلم. فتلك أعمال أولئك الذين يرى الزاوي أن هي الخروج عليهم نفاق ذلك هو المعنى الذي يسلم إليه منطق الاستاذ الزاوي. ولكننا نظن بالأستاذ الزاوي خيرا، وتحسب أن المقاييس لم تنقلب عنده هذا الانقلاب، ولكنه رجل مخدوع بالمظهر، فهو يحسب أن مخالقة الحكام وعدم الانقياد لهم حتى في ارتكاب المعصية أمر لا يصح، ومن خرج عن طاعة ولاة الأمر - ولو كانوا ظلمة فاسقين - حكم عليه بالنفاق؛ وهذه
من
وجهة نظر ذهب إليها كثير من الفقهاء المرتزقة، والسائرين في ركاب الظالمين: يبررون أعمالهم، ويمهدون لسلطانهم. وقد يكون الأستاذ الزاوي أحد هؤلاء الذين يعجبون بذوي السلطان كيفما كانوا. لو كان هذا المعز يقود الجيش للجهاد في سبيل الله ومحاربة أعداء الإسلام لوقفنا مع الأستاذ الزاوي نشيد بأعمال هذا السلطان، ولكن هذه الجيوش موجهة إلى محاربة أمة مسلمة في وطن مسلم، تحكمها دولة مسلمة، ليس سلطانها أسوأ السلطان الغازي، فكان معقولا أن يحكم على هذا الغازي بالنفاق، وعلى من رغب من جيشه في هذا العدوان ورضى به. هذه لمزات قليلة أعرضها على القارئ الكريم من كتاب واحد من كتب الزاوي، ولا يزال في الكتاب عدد غير قليل من هذه اللمزات تدق، حتى تكاد أن تختفي، وتستعلن حتى تنطلق في صورة سباب أو شتيمة، وفيما اطلعت عليه من كتب الزاوي التاريخية كثير من هذا التجني على الحقيقة وعلى التاريخ. ويؤسفني وأنا أناقش الأستاذ الزاوي مناقشة الأخ لأخيه، أن أضطر إلى العنف أحيانا، فإن لؤم بعض العبارات، وإيغالها لها في إيقاد الفتنة، ومحاولتها للتفريق بين عناصر الأمة، لا تترك في صدر الحليم مكاناً للصبر. لقد كنت أرجو من الأستاذ الزاوي أن يوجه نظر الأمة إلى عدو الإسلام الخارجي، وأن يدعوا إلى تكوين كتلة واحدة من أمة
واحدة.
523
522