الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١١٦

الإباضية

ولست أقصد بذكر هذه الأسماء الحصر، فلقد قام عدد كبير علماء آخرين بمثل ما قام به هؤلاء أو بأكثر، أو بأقل منهم، وإنما ذكرت هؤلاء على سبيل المثال.

من

وفي كتب التاريخ التي تعنى بتراجم الرجال، يجد الباحث المتقصى بغيته. قام كل واحد من هؤلاء العلماء وأضرابهم بتكوين مدرسة تعليمية تخرج فيها عدد غير قليل من فطاحل العلماء، كما أن هذه المدراس كانت مراكز إشعاع تستمد منها الأمة الثقافة والهدى والسلوك، وتقتبس منها النور والحق والمعرفة ومن الطبيعي أن تكون هذه المدراس مختلفة في آثارها. متفاوتة في مقدار ما أتاحته للناس من فائدة، ويسرته من سبيل

للوصول إلى الغذاء الروحي الممتع الصافي.

وإذا كانت بعض هذه المدراس في مبدأ الأمر مهتمة بناحية الثقافة وناحية السلوك، فكانت تيسر سبل المعرفة للناس وتتيح لهم فرص التعليم من جهة، ومن جهة أخرى كانت تقوم بتوجيه السلوك الجماعي والفردي فكانت تسهر على المجتمع، وتقوم فيه بدروس الوعظ والارشاد، داعية له إلى المحافظة على السيرة النقية التي انتهجها الإسلام آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر. حتى كان بعض المربين فيها يبعثون بطلابهم إلى القرى. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى سبيل الله القويم. ليتدرب أولئك الطلاب بالطريقة العملية على هذا الواجب الذي يراه الأباضية من أعظم أركان الإسلام التي لا يستقيم حال أمة إذا لم يقم به أفرادها العارفون استجابة لقوله صلى الله وسلم: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جندان من جنود

عليه

الله

من نصرهما نصره صره الله ومن خذلهما خذله الله). إذا كانت بعض المدارس قد اتجهت إلى هذين الاتجاهين، فإن مدارس أخرى قد اضافت إلى هذين الإتجاهين اتجاهاً ثالثا، كان له خير أثر على التراث الإسلامي، هذا الإتجاه: هو الاشتغال بالتأليف: ولعل أعظم مدرسة قد امتازت بهذه الظاهرة الرائعة، فوجهت طلابها إلى هذا المنحى، فتركت لنا ثروة علمية وتشريعية قيمة، هي مدرسة أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي .. ولست أعني بهذا أن العلماء السابقين لم يشتغلوا بالتأليف.

فإن هذا رأي لايخطر ببال أحد فيما أظن، وكثير من الكتب التي كانت تدرس في زمن أبي موسى عيسى كانت من تأليف العلماء الليبين في جبل نفوسة، أو في غيرها: وإنما أعني أن اتجاه المدرسة نفسها إلى التأليف، واشتغال كل الطلاب الذين حصلوا على كفاءة علمية بذلك، إنما كان في زمن هذه المدرسة، وقل أن تجد طالباً من طلابها لم يشتغل بالتأليف.

ومن الطلاب الذين تخرجوا فيها واتجهوا هذا الاتجاه: فيلسوف الإسلام العلامة أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي: ومن هؤلاء الطلاب: حجة الإسلام، ومرجع الفتوى وسند الإباضية: العلامة أبو ساكن عامر بن على الشماخي: ومن هؤلاء الطلاب: العالم العامل: أبو غالي أبو عزير بن إبراهيم بن يحيى، وهو الذي شغل مركز أستاذه من بعد في التدريس وإدارة المدارس التي أنشأها أو أدارها في كل من " طَرْمِيسَه " " ومَرُ عَورَه " " وأمْسِيْن؛

" "ويفرن" … وغير هؤلاء كثير، ربما تحدتنا عنهم في فصل خاص

307

306