الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١١٧الإباضية
بالتأليف ..
وقد ترك لنا فيلسوف الإسلام العلامة أبو طاهر: مكتبة عامرة، لا تقل قيمة عما تركه فيلسوف الإسلام أبو حامد الغزالي، واشتغل بالتدريس في بعض الأحيان، إلا أن عنايته كانت منصبة إلى التأليف، وإلى إلقاء دروس الوعظ والإرشاد، والتوجيه، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك لأن العصر الذي يعيش فيه كان: تدعي منه هذا الجانب من الكفاح، فقد بدأ في كثير من الجهات الانحلال الديني، والتفسخ الخلقي، والانصراف إلى المادة في إقبال نهم، كذلك لجأ إلى كفاح الباطل الذي أراد أن يستعلن ويطغى ويتحول بالأمة المسلمة عن الاتجاه الذي دعاها إليه صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم. أما أبو ساكن الشماخي: فقد اتجه إلى تأليف الرجال، وقد
تخرج عنه عدد غير قليل من فطاحل العلماء. ولم يشتغل
بتأليف الكتب إلا قليلا، ومن هذا القليل: كتابه القيم المسـ بالإيضاح، في إربعة أجزاء كبيرة، ويعتبر من أهم المراجع في التشريع الإسلامي، يندر أن تجد له مثيلا.
أما أبو زكرياء يحيى بن العز فقد اشتغل بالتدريس والتأليف معا، وقد ترك آثاراً قيمة تضاف إلى المكتبة الإسلامية العامرة. استمرت حركة التأليف نشيطة منذ وجه أبو موسى عيسى طلابه إلى ذلك. فألفت مجموعة من الكتب القيمة، من طلاب أبي موسى. ثم من طلاب أبي ساكن، ومن غيرهم من الطلاب، وامتدت هذه الحركة العلمية المباركة في هذين الاتجاهين، إلى أن
وصلت إلى العلامة المصلح الكبير عبد الله. بن يحيى الباروني، كما أن الاتجاه الثالث قد سار أيضا عليالمنوال الذي وضعه أبو طاهر، فقد استمرت حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتوجيه الاجتماعي، نشيطة إلى أن بلغت ذلك العصر أيضاً. وفي كل هذه الفترات المتعاقبة التي يسلم فيها رسالة التعليم علم إلى علم في أمانة وحرص كان يقوم إلى جانب ذلك مؤمن شديد في دين قوي على آداء امانة الأسلام، حريص على
الله
المحافظة على حدوده. وفي الزمن الذي كان العلامة عبدالله بن يحيى الباروني يقوم برسالة التعليم، ويوجه حركة التأليف، كان العلامة عمرو بن عيسى التندميرتي يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الدين، ومحاربة البدع. والخرافة، في صراحة وشدة ولست أعني بهذا، أن كلا الرجلين مستقل عن الثاني بعيد عن عمله لست أعني ذلك: وإنما أعني أن الإمام عبد الله الباروني، وأسلافه الذين سار على نهجهم. كانت مهمتهم بالدرجة الأولى: هى التعليم: ولكنهم مع ذلك لا يسكتون عن منكر يرتكب أو حق يضاع، وأن العلامة التندميرتي وأسلافه الذين سار على طريقتهم، كانت مهمتهم الأولى هى التوجيه الديني، ومحاربة الإعراض عن الحق، وعن دين الله، ولكنهم مع ذلك كثيراً ما كانوا يتولون التدريس، وكل ما في الأمر أن بعض أولئك العلماء الأعلام يتجهون من أول الأمر إلى تنشئة الأطفال وتربية الأجيال، وتسهيل سبل العلم للشباب …
وأن البعض الآخر يتجهون من أول الأمر إلى إصلاح المجتمع. ونشر الوعي الديني والخلقي بين الكبار في المساجد، والمجامع؛
309
308