الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٢٧

الإباضية

، ومشيراً، وصديقاً، فكانا ثنائياً لا يفترق حتى أن كتب التاريخ لا تذكرهما إلا مقترنين، بل إن بعض المؤرخين لم يعرف الأمير من

القاضي.

وما سمع العكي والي عبد الرحمن بن حبيب.، على طرابلس ببيعة الإباضية للحارث بن تليد حتى جهز جيشا وخرج للقضاء عليه، ولكن النصر كان في جانب الإباضية، فتفرق جيش العكي وألقى عليه القبض في إحدى القرى، فأطلق سبيله وخير بين البقاء، له حقوق المسلمين وواجباتهم، أو السفر آمنا موفوراً. فاختار السفر، ولم يقطع الإباضية رأسه ليعلقوها على سور المدينة كما يفعل الظالمون، وإنما كل ما فعلوه عندما تم لهم النصر أن قتلوا رجلا في صاحبهم، رجل برجل كما يقضى حكم الله من سبع سماوات.

والتف الناس حول الحارث بن تليد في ليبيا لعدله واستقامته وسيرته الرضية، فاهتم لذلك عبدالرحمن بن حبيب وصار يرسل الجيش تلو الجيش للقضاء على هذه الإمامة التي انتزعت ليبيا من الحكم الظالم، ولكن جميع هذه الجيوش كانت تعود إليه منهزمة، وأصبحت ليبيا كلها تحت حكم الإمام الحارث بن تليد. وعندما عرف عبدالرحمن أن القوة لا يمكن أن تنتصر على الحق، وأن الجند الذين يحاربون عن متاع من الدنيا قليل، لا يمكن أن يقفوا في وجه جند يدافعون عن مبدأ اعتنقوه، وحق اعتقدوه. عندما عرف ذلك لجأ إلى الحيلة.

لقد كان الإمام الحارث يسير بسيرة الصفوة من حكام

الإسلام، لا يتخذ حاجبا ولا يجعل على باب بيته حارسا، ولا يرد عنه متظلم أو باك، ولذلك كان الناس يغشون بيته في أي وقت شاءووا ليس بينهم وبينه إلا الإذن الذي فرضه أدب الإسلام على

المؤمنين.

واستغل العدو هذه السيرة العطرة في أبشع ما يستغل به الحق للباطل، فقد أوعز إلى جماعة ممن لا دين لهم ولا ضمير. فدخلوا على الإمام وكان قاضيه وصديقه معه، دخلوا في صورة متخاصمين، ولما اطمأنوا إلى أن الإمام والقاضي مستغربان في تفهم المشكلة المعروضة عليهما ليحكما فيها بما أنزل الله وهما غير مسلحين، وثبوا عليهما وقتلوهما، وجعلوا في يد كل واحد منهما يفاً، ثم خرجوا، وكأنهم لم يرتكبوا أفظع جريمة يرتكبها رجل سلب الإيمان والضمير.

واكتشفت الحادثة فيما بعد، واعتقد كثير من الناس أن الصديقين تنازعا فقتل كل منهما صاحبه، وكثر النقاش في معرفة الظالم من المظلوم، ولم تنجل الحقيقة إلا بعد أن وجد عبدالرحمن بن حبيب الفرصة التي يتحينها، فحينما كان الإباضية في موقف الحائر المتردد في معرفة الحادثة والأسباب الداعية إليها، وعندما كان العارفون منهم يحاولون أن يوحدوا الصفوف والجهود فكانوا يسترشدون برأي إخوانهم في المشرق، وكان الرسل يقطعون المسافات الطويلة ذهابا وإيابا، في هذا الحين استطاع العامل القيرواني أن يكسب المعركة. وأن يرجع إليه حكم البلاد. وهكذا نجحت المكيدة حينما فشلت القوة، ولم تزل المكائد والفيلة هي سلاح الظالمين في كل عصر ومصر.

333

53

52