الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٢٩الإباضية
وحينئذ أخبروا زميلهم الخامس أبا الخطاب أنهم مطلوبون إلى صلح بين متخاصمين في الضاحية الغربية لطرابلس " صياد " وتم الاجتماع واتفقوا على مبايعة أبي الخطاب بالإمامة، فلم يدر إلا والقوم يطلبون منه أن يمد يده للبيعة فيحكم بينهم بكتاب الله، ويقيم الحدود ويسير سيرة الخلفاء الراشدين، وحاول أن يمتنع من هذه المسؤولية العظمى، وأن يتخلص من هذا الموقف الذي توضع فيه أمانة الأمة بين يديه، وأجاب القوم بأنهم إنما أتوا لإجراء صلح بين متخاصمين لا لإقامة خلافة، ولكنهم أصروا على موقفهم، وذكروه بوصية الإمام أبي عبيده وخيروه بين قبول البيعة أو القتل، فرضى مكرها، ولكنه اشترط عليهم أن لا يذكروا مسألة الحارث وعبد الجبار، واشترطوا عليه ما يشترطه المؤمنون الذين يلقون بمقاليد أمورهم إلى رجل يثقون بدينه وأخلاقه وأمانته، وتمت البيعة، ورجع القوم دون قتال لأن جميع السكان كانوا يتوقون إلى الخلاص مما هم فيه من عذاب، ودعا أبو الخطاب الوالي السابق على المدينة، فخيره بين البقاء وله ما لإخوانه من المسلمين، وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات. أو الرحيل آمنا موفور الكرامة، فاختار الرحيل. ورتب أبو الخطاب أمور الدولة، فأسند القضاء إلى إن درار الغدامسي وولى عمرو بن يمكتن على سرت وما والاها.
بدأت الأخبار ترد على أبي الخطاب بما ترتكبه قبيلة ورفجومة البربرية من فظائع في القيروان، فقد سمع بعتوهم وطغيانهم وجورهم وسومهم الناس سوء العذاب، وربطهم لدوابهم في المسجد الجامع، وأرسلت إليه امرأة كتاباً تخبره فيه أنها تحفظ
ابنتها في مطمورة خوفا من ورفجومة، وأتاه رجل أخبره أنه مر بالقيروان فرأى ناسا من ورفجومة كابروا امرأة على نفسها. والناس ينظرون إليهم ولا ينكرون ذلك خوفا منهم، وبلغه أن
جماعة أخرى من هؤلاء الناس أخرجوا امرأة وهي تصيح: يا معشر المسلمين أغيثوني، فلم يغثها أحد. عندما تواترت هذه الأخبار عند أبي الخطاب: دعا الناس إلى اجتماع، وحثهم على الجهاد في سبيل الله، ودفع المنكر الذي يؤتى علنا في بلد مسلم، وبين أناس مسلمين. فاجتمع عليه عدد وافر من أهل البصائر الذين يؤثرون الآخرة على الحياة الدنيا، فأمر مناديا ينادى في الجيش، من كان له أبوان أو أحدهما أو له عروس جديدة فليرجع بليل، وفي الصباح يتقصى الأثر حتى إذا انقطعت الآثار الراجعة ولم يبق معه إلا أولئك الذين عزموا على الاستماتة في كفاح الباطل سار بهم حتى أتى قابساً فاحتلها دون عناء وجعل عليها والياً
، ثم سار إلى القيروان.
لقي جموع ورفجومة فقاتلهم حتى انهزموا، فتحصنوا بالمدينة، فبقى محاصراً لها مدة طويلة حتى اضطروا إلى القتال من جديد، ووقعت بينهم موقعة هائلة، أسفرت عن انهزامهم، فأمر بأن لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم. ولا يؤخذ شيء من أموالهم، وأعلن الأمان للناس، فخرج الناس إلى أعمالهم كما كانوا يفعلون أيام السلام، ومرت امرأة بميدان القتال وعجبت حين وجدت قتلى ورفجومة مجندلين في ساحات الكفاح دون أن يمس شيء من أسلابهم، فقالت: "كأنهم رقود " المكان منذ ذلك اليوم " رقاده " وإن حاول بعض الناس فيما
وسمى
57
56