الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٣٠

الإباضية

بعد أن يغير هذا الاسم.

وكانت مفاجأة مذهلة للناس عندما

دوا مزارعهم

وحقولهم وثمارهم ب ــليمة لم يمس منها شيء إلا إذا كان من تقلبات الجو أو وحوش الصحراء، وعجبوا من عدل هذا الإمام، ونزاهته وطاعة الجيش له، وغفلوا أن هذا الجيش لم يتكون من جند يعملون لمكاسب الدنيا من رواتب يقبضونها، وغنائم يختلسونها، وإنما قوام هذا الجند قوم يدافعون عن الحق والدين، لا يبتغون عرضاً من الدنيا، ولا غنيمة في هذه الحياة القصيرة، ولا جاهاً عند الناس، وتفقد الإمام القتلى، فوجد واحدا منهم قد أخذ سلبه، فأمر برد كل ما أخذ، ولكن الغال، لم يسمع لأوامر الإمام واحتفظ بالسلب، وغلب عليه الشيطان وعندما رجع الجيش بعد أن دفع المنكر عن الأمة وأشاع الأمن في البلاد، وأرجع الحقوق إلى أهلها، وعندما رجعوا وكانوا بالطريق خطر لهم أن يتسابقوا.

ووقع السباق بين الفرسان لإظهار البراعة والرشاقة، وكان جميل السدراتي ممن يثق بنفسه ويعجب بفرسه فاشترك في هذا السباق، ولكن شاء له سوء حظه أن ينقطع حزام سرجه، وأن ينكشف السلب تحته: وأن يشهد فضيحته كل الجيش فأدبه الإمام على خرقه لنظام الجيش واستحلاله لمال المسلمين، وغلوله لما حسبه غنيمة.

وقال خالد اللواتي للإمام: " نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا، قال الإمام: حقيق على الله أن يدخلنا معهم النار

إذن. وارتحل أبو الخطاب وجيشه إلى طرابلس بعد أن نصب

عبد الرحمن بن رستم واليا على القيروان. استكبر جميل السدراتي أن يفتضح أمره أمام الناس وأن يقام عليه الحد، ولذلك فقد التحق بأبي جعفر المنصور وبقى يبذل المحاولات سنة كاملة ليقنع أبا جعفر بضرورة حرب أبي

الخطاب والقضاء عليه، واستجاب له أبو جعفر أخيراً. وبدأ يجهز الجيوش إثر الجيوش لمقاتلة أبي الخطاب، وبعد وقائع مذهلة ذاق فيها أبو جعفر مرارة الهزيمة استطاع محمد بن الأشعث أن يغرر بجيش أبي الخطاب وأن ينتصر عليه الانتصار الحاسم. وأن يرتكب من الفظائع ما يبرأ منه الإسلام والمسلمون.

إنني لم أضع هذا الكتاب لسرد وقائع التاريخ إلا بمقدار الضرورة التي أراها واجبة التي لتوضيح الصورة التي أضعها بين عيني القارئ الكريم، فإن الوقائع التاريخية توجد في الكتب المعتنية بذلك مفصلة وإني أريد في هذا الكتاب أن أجلو سيرة أهل هذا المذهب وأثر الدين والعقيدة على سلوكهم الفردي والجماعي وتوجيهه لهم في حالتي الحرب والسلم والظهور والكتمان.

ولقد قام أبو الخطاب بعدة حروب، بعضها مع البربر، وبعضها مع العرب وبعضها مع مزيج منهما، ولكن سيرته في كل ذلك كانت سيرة واحدة. كفاح الظلم والطغيان، ودفع للمنكر والعدوان حتى إذا انتهت الحرب أشاع الإمام الأمان بين الناس.

59

58