الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٤

التاريخ بين الدولة والأمة

إن تاريخ الدولة، قد يكون هو نفسه تاريخ الأمة، وقد يكون جانبا من تاريخ الأمة، وقد يكون أبعد الأشياء عن تاريخ الأمة. والمؤرخون في أغلب الأحيان يندفعون إلى تسجيل حركات دولة ما، وأعمالها على أنها تاريخ الأمة التي تسيطر تلك الدولة. الأحيان التي تكون فيها الدولة مستبدة أو صاحب وفي السلطان طاغياً فإن المسافة بينها وبين الأمة سحيقة البعد، ومع ذلك فإن الكتاب الذين يشتهون أن يكونوا حداة للموكب الظالم، أو أبواقاً لدعايته يكتبون وهم يعتقدون أو يتظاهرون بأنهم تاريخ الأمة، وقد وقعت بهذه الطريقة مغالطات كبرى في تاريخ البشرية. وسوف أضرب أمثلة لما أرمى إليه حتى يتضح فكرى للقارئ الكريم.

يتحدث مؤرخ عن عظمة الأمة المصرية في عصر الفراعنة

، ويلتمس الشواهد على ما وصلت إليه هذه الأمة من مجد وحضارة، فيقدم للقارئ الكريم، الشواهد الثابتة التي لا تتغير، يقدم إليه الأهرام، هذه الجبال الشاهقة التي صنعتها أيدي

البشر، في فترة من تاريخها الطويل، فهل كانت الأهرام حقاً الشواهد على عظمة مصر؟ أيام كان خوفو يتولى زمام

الحكم فيها؟

قد تكون هذه الظاهرة براقة خادعة، ولكن الإنسان إذا تغلغل إلى حقيقة التاريخ، سرعان ما يعرف أن هذه الشواهد أبعد شئ عن حقيقة تاريخ الأمة المصرية في ذلك الحين. إنها قد تكون صورة من تاريخ خوفو، فرعون مصر المريض بداء الحقارة، أو دليلا على تمكن هذا المرض من نفسية ذلك الملك الطاغية. ولكنها ليست على كل حال حقائق من تاريخ الأمة المصرية.

إن الناظر الساذج قد ينبهر بعظمة هذا العمل. وقد يحسبه من أمجاد الأمة، ولكن هل نجد حقاً في ذلك العمل عظمة ومجداً؟ أعتقد أن تلك الحالة كانت أبعد شيء عن حقيقة العظمة

والمجد، وأقصى شيء عن تاريخ الأمة وأعمال الشعب. مائة ألف. من الأجسام الفتية، والسواعد القوية، تسخر لنحت الصخر، ودحرجة الحجر، مدة لا تقل عن عشرين سنة لو وجهت هذه الجهود لعمل مثمر، لشقت مجرى نيل ثان يروي صحراء مصر القاحلة، فوجد فيه الملايين من سـ كان مصر جنة على الأرض. ولكن النزوة الحمقاء التي سيطرت على رأس ملك المريض بداء الحقارة - أعوزته العظمة في نفسه،، فراح يلتمس

لها الوسائل في الخارج - أبت أن توجه تلك القوى إلى الاتجاه النافع للأمة. فإذا بمجهودات الأمة جميعا تسخر لإرضاء هذه

7

6