الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٥

الإباضية

النزوة الطائشة.

وتمض عشرون من حياة هذه الأمة لتبني قبر شخصين عاما

، وتصبر وهي تعمل تحت لذع السياط، لتقدم المجنون قوة البدن وثمرة الإنتاج، والمال القليل الذي تحصل عليه بالكفاح المستمر.

وفي هذا الحين، الذي تبلغ فيه الأمة المصرية أحط ما تصل إليه أمة من الذلة والهوان، والاسترقاق والمجاعة تحت حكم طاغية لا يجد بعض المؤرخين عنتاً في أن يشيدوا بالمجد العظيم الذي بنته الأمة المصرية. حين أقامت الأهرام.

إن هؤلاء المؤرخين يحسبون أن السلطان أو الأداة الحاكمة هي الأمة، وما دام فرعون يعمل فإن عمله يعتبر تاريخاً للأمة، وهم حين ينظرون إلى هؤلاء الآلاف من الناس، الذين يكدسون الرمال ويرصفون الطرق، ليدحرجوا القرية ليحمل نفقة العام، كأنما كل واحد من هؤلاء جاء بمحض إرادته ليبنى لنفسه برجا في هذا القصر العظيم. ولم يلمحوا الفقر والذلة والمهانة التي تبلى بها الأمة ولا العذاب والسياط التي تسلط على هذه الجماهير الكادحة، في عمل شاق ليست له ثمرة إلا الشهوة، شهوة فرعون أن يكون عظيماً، وأن يكون قويا وأن يكون من المخلدين. فهل يعتبر هذا العمل حقاً من تاريخ الأمة؟ هل تعتبر هذه الآلاف من العمال المسخرين الذين يدهدهون الصخر من الصبح إلى المساء، وأبناؤهم يقتلهم السغب والفاقة، هل تعتبر هذه الآلاف العاملة تحت السوط والسيف، من الأمة؟

وهل يعتبر عملها هذا تاريخا للأمة؟

إنني لا أستطيع أن أتصور ذلك أبداً، وكل ما أفهمه أن هذا

قد يكون صورة من تاريخ فرعون، وأن هؤلاء الآلاف الذين يعملون

باستمرار مدة عشرين سنة، ما هم إلا آلة صماء، يحركها زر في

يد فرعون. فهم في الحقيقة ليسوا قسما من الأمة، فيكون عملهم تاريخاً لها، وإنما هم قوة في ساعد فرعون، وسواء كان هذا العمل الذي عملوه والجهد الذي بذلوه، والجبل الذي شادوه، سواء كان ذلك عظمة ومجدا. أم مرضاً وشهوة، فإنه من تاريخ فرعون وحده. لا من تاريخ أمته.

ضربت المثل بهذه الحوادث لأنني أعتقد أنها واضحة. ومن المؤسف أن أكثر المؤرخين في مختلف العصور - حتى

يحدون

في هذه العصور التي كادت تتحرر فيها البشرية من طغيان الفرد واستعباده - لم يتحرروا من هذه النظرية التي لا تفرق بين الأداة الحاكمة والأمة، فتجدهم يلهثون وراء السياسة. لها ويصفقون، حاسبين أن عظمة التاريخ في أن يسيطر رجل أو هيئة، على بقاع كثيرة، فيتمتع بما لا يتمتع به غيره من شهوات، ثم يسجلون ذلك على أنه تاريخ الأمة، أمة ذلك الرجل، أو تلك

الهيئة.

إن هذه الصورة لا يمكن أن يكون فيها تاريخ الدولة تاريخاً للأمة. إن تاريخ عن هذه المظاهر السخيفة،

الأمة بعيد جداً.

التي تهدر فيها كرامتها، وقوتها وإنتاجها.

أما الصورة الأخرى التي يكون فيها تاريخ الدولة هو تاريخ الأمة، فذلك عندما تكون الأداة الحاكمة خاضعة لقانون الأمة

9

8