الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٥٠

الإباضية

كثير، وشراب كثير، ولبن حامض كثير، وأكل هذا الرجل الشره الأكول. أكل حتى أتم الطعام، وأكل حتى أتم اللحم، وانتقى العظم. وشرب حتى أستنفذ ما في الركاء من البان. وكان القوم

ينظرون إليه وهم يتغامزون مستبشرين فرحين.

إنه يأكل كأنه في منزله، لا يتكلف ولا يتعفف، ولا يخاف ولا يحذر ونتيجة ذلك سوف تظهر سريعا، سوف يثقل عليه الطعام والشراب، وتأخذه سنة من النوم فيجدون الفرصة التي انتظروها بفارغ الصبر، وأعدوا لها الأسباب والوسائل. ولكن الرجل خيب ظنهم، فقد قام بعد أن نظف الأواني مما فيها من طعام، فصلى صلاة العشاء الآخرة، ثم تربع في مجلسه وبدأ يتلو القرآن الكريم. واستمع الناس إليه، فأطال، وبدأ الملل يتسرب إلى نفوسهم، والنوم يهز أعناقهم ويؤرجح رؤوسهم، وطالت التلاوة وامتدت بلغت صلاة الفجر، فصلاها ثم أستاذن رجال الحي في الرجوع. إن الفرصة الأولى قد ضاعت إلى غير رجعة فما العمل؟ وفكر أذكى القوم وأشجعهم فقال: لو طلبنا منه أن يعلمنا الفروسية حتى إذا لاحت لنا منه غرة قتلناه، وتكفل أن يقوم بمهمة القتل. وأعجب الشباب بالفرصة الثانية واستعدوا لها، وحمل رئيس القوم: يفه وجاء إلى المحارب المقدام يعرض عليه ملتمس الشباب فأجابهم إلى ما طلبوا، واصطفوا على مقربة من الحي، وبدأ الدرس.

كان الشباب يحملون عصيا في مقام السيوف، وكان الفارس الكبير يدربهم على مقارعة الأقران ومجالدة الفرسان، وأساليب الكر، وخدع الفر، حتى ظن رئيس القوم أن صاحبهم قد استغرق

في الدرس ونسى الحذر، وأمكنته منه الفرصة، وواتته الغرة التي كان يتحينها، فوجه الضربة القاضية فيما يظن، ولكن الفارس الذي عرف نوايا القوم مقدما، ولم يغفل عنه لحظة عين راغ عن الضربة، واتجه إلى يمينه فقتل واتجه إلى يساره فقتل، وأطلق بقية الفتيان أعنة خيولهم، وأوغلوا في الفران فالتفت الشيخ إلى نساء الحي وهن يعولن وقال لهن: أزيدكن أم كفاكن؟ فصحن

به کفى كفى ولكز جواده فطار به إلى تاهرت عاصمة الأمامة ومقر زملائه الذين كانوا ينتظرون في كل لحظة أن يوافيهم خبر مقتله، ولكن أيوب بن العباس الذي يتحدى الفرسان ما بين فاس عاد سالما موفورا.

ومصر

إن هذه القصة صورة أخرى من صور الشجاعة والبطولة والثقة بالله وبالنفس. يذهب البطل إلى عقر دار العدو .. العدو الذي لا يتورع عن الغدر والخديعة والغيلة، يذهب ليأكل طعامهم ويشرب شرابهم ويبيت بين أعدائه في حيهم. ويسلك في كل ذلك سلوك الرجل المطمئن المؤدب حين يكون مع أعز الأصدقاء وأوفى الأحبة الذين يكرمونه بكل ما تميل إليه النفس والشهية.

إن هذا الرجل بهذا السلوك نادر من نوادر البشرية في. خَلْقه وفي خُلقه، وفي دينه وأمانته وعلمه وثقته بربه وبنفسه. وصل إلى تاهرت بعد سفر شاق قطع فيه آلاف الأميال في صحاري قاحلة جرداء. ومهما كانت قوة الجواد الذي أعده لهذه المغامرة الفريدة في التاريخ، فإن التعب لا بد أن يلحقه. إنه

46

97

96

96