الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٤٩

الإباضية

موقف صعب يوضع فيه الرجل أمام أقصى امتحان، إنه لم يكلف بالدخول في معمعة حرب يجالد الأبطال كواحد منهم. ولكنه وضع في مقام جيش يسير من قطر إلى قطر ليهزم يهدد الإمامة. قبل البطل هذا العرض بإعتداد واستبشار

جيشا

وبرهن

أنه أحق رجل بالثقة التى وضعت فيه، واجتمع بزملائه الآخرين وقرروا المسير. قرروا أن يقطعوا هذه القفار الموحشة من جبل نفوسة الى غربي الجزائر، ليقفوا أصعب موقف وقفه بطل في التاريخ. ووصل أيوب بن العباس حتى ينتظره الموت، فاغر الفم. مكشر الأنياب. وعرض خدماته على الإمام وأعلن أنه مستعد أن يقوم مقام العدد الذي يطلبه الإمام من أبطال الكفاح ورجال الحرب، فكانت ذراعه القوية؛ وسيفه البتار أقوى ضربة وجهها الامام عبدالوهاب إلى الواصلية من المعتزلة الذين طالما تحككوا بالإمامة، واعلنوا عليها الثورة أوالعدوان.

إن هذه القصة تشرح معنى الشهرة التي أشار إليها أبوالعباس الشماخي في أول هذا الحديث، فهل استطعت أن أكشف النقاب عن الغرض الذي أرمي إليه؟ أم لا يزال يكتنفه الغموض؟ إنه لو لا الشهرة بالسير في طريق الخير والرشاد ولولا الشهرة بالصلاح والسداد، ولولا الشهرة بالقوة والشجاعة والمضاء، لما اتفق شعب كامل على وضع ثقتهم في رجل واحد ينوب عنهم في الدفاع عن الكرامة في بلد بعيد يجهلون كثيراً من قوة أصحابه واستعداداتهم. ولو لا الشهرة لما اتفق شعب كامل على أن يقاوموا رجلا بمائة. رجل. لقد سبق للتاريخ أن قص قصص الزعماء والأبطال. واشار إلى أن كلمة بعضهم

لا تسقط في الأرض، ولكن ذلك لم يكن لقوة الشخص نفسه ولكن لمن يتزعمه، كما قيل: إن للأشتر ألف سيف يسلها غضبه، ويغمدها رضاه.

إن هذه القصة التي ترويها كتب التاريخ عن بطولة أيوب بن العباس، تكفي شاهداً على ثقته في نفسه، وثقة الناس فيه. واستحقاقه لتلك الثقة.

ولكن لماذا نقتصر على شاهد واحد وللرجل مواقف كثيرة لا تقل مجدا وعظمة؟ اتفق الواصلية من المعتزلة فيما بينهم بعد أن أوقع بهم هذا البطل العظيم القوي وقتل أبطالهم وفرسانهم. وأذاقهم مرارة الهزيمة. اتفقوا أن يكيدوا له فيقتلونه غيلة إذا استطاعوا، وهم يعرفون أنهم لا يقدرون عليه مواجهة، ويعسر عليهم أن يجدوا

منه غرة في الأحوال العادية، ولذلك فقد دبروا المكيدة الآتية. إنهم قوم بداة يسكنون الخيام ويرعون الأغنام، فلماذا لا يستضيفونه إلى حيهم، ويكثرون له أطائب الطعام والشراب، حتى إذا ثقل عليه وغلب عليه النوم وثبوا عليه وقتلوه. وجاءوا يعرضون عليه ضيافتهم فقبل وهو يعرف أنهم أشد الناس حقداً عليه وبغضاً له. ونصحه الإمام ونصحه الأصدقاء أن يرفض هذه الدعوة غير الكريمة، ولكن البطل العظيم أصر على قبول الدعوة وتشريف الحى بالزيارة. وركب مع القوم ووصل إلى الحي المحتفي المضياف فقدم إليه العشاء الذي تعبت في إعداده بنات الحي: طعام

95

94