الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٥٢

أبو عبيدة عبدالحميد

ذلك

عندما توفى البطل العظيم أبوالحسن أيوب بن العباس أصابت الإمام حيرة وربكة فيمن يختاره ليقوم بالعمل في ليبيا. من هذا الرجل الذي يستطيع أن يقوم مقام أيوب بن العباس؟ ويملأ فراغه؟ ولا تعنى هذه الحيرة أن الأبطال كانوا قليلا في الحين، أو أن المسلمين المخلصين الذين يوثق بدينهم وخلقهم، ثم هم يقوون على تحمل أعباء هذه الأمانة التي توضع في أعناقهم كانوا من النزرة بحيث يبحث عنهم الباحث فلا يهتدى إلى واحد منهم إلا بعد عناء ليس هذا ما تعنيه حيرة الإمام، وإنما احتار الإمام لأن عدداً جما تتوفر فيه شروط الكفاءة للقيام بهذه المهمة، ولم تتبادر الى ذهنه ميزة خاصة بأحدهم حتى يكون ذلك سببا لإناطة هذا الواجب به ولذلك بعث إلى نفوسه يستشيرهم في الأمر، ويخيرهم في الوالي الذي يضعون بين يديه مقدراتهم، واجتمع أهل الشورى وبحثوا الموضوع من جميع أطرافه، واستعرضوا الرجال الأكفاء، واحداً واحداً، وأخيراً قر رأيهم على أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني: فأخبروه أنهم رشحوه لأن يتولي أمروهم، وأنهم كتبوا بهذا الترشيح الى الإمام، وما عليه إلا أن يستعد للقيام بهذه المهمة الخطيرة. ولو كان أبو عبيدة من أولئك الرجال الذين يطلبون الدنيا. ويبحثون عن الجاه ويلتمسون

وسائل السلطة، لو كان من هؤلاء لطار فرحاً، ولامتلأ غبطة، ولكنه كان مؤمنا مخلصا في إيمانه، تقيا صادقا في تقواه، فلما أبلغ القوم اختيارهم له، وتكليف الإمام له، امتنع كما امتنع سلف 12 له من قبل عن تولي الأمامة، وبذل الشعب كل وسيلة ليحملوا الرجل على قبول هذا الشرف الذي توليه إياه الأمة والإمام، فلم يقبل، وكان جوابه لهم في كل محاولة قوله: أنا ضعيف: أنا ضعيف: أنا ضعيف يكررها في إصرار وتأكيد، ولما لم يتمكنوا من إقناعه كتبوا إلى الامام برفض أبي عبيدة واعتذره

لضعفه.

لو كان القوم طلاب دنيا لتبدل وجه التاريخ ولسخر الإمام من هذا الرجل المغفل الذي يعرض عليه الجاه والسلطة فيزور عنها، ولأناط الإمام هذا الشرف بغير هذا الرجل الجامد العزوف لكن الإمام لم يكن من أولئك الناس الذين ينظرون إلى الأشياء بقيمة الحياة الدنيا ولكنهم يزنونها بميزان الإسلام، فلما وجد هذا الرجل الذي يفر بدينه في حرص وتشدد، عرف أنه وقع على أصلح رجل للأمر، وان هذا الرجل حقيق أن لايخاف غير الله، وأنه لا يطمع في غير الله وهاتان الصفتان هما أكرم الفصائل التي أن يتجلى بها من يلي أمراً من أمور الدولة.

يجب

بعث الإمام رسالة أخرى يؤكد فيها أمره الأول بتولية أبي عبيدة، وأقسم في هذه الرسالة بكل اللغات التي يعرفها أن لا يولي أمر المسلمين إلا رجلا يخاف ضعف نفسه، ثم حلل العذر الذي اعتذر به أبو عبيدة فقال: " إن كنت ضعيف البدن فتول

101

100