الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ٧٩الإباضية
: كم هذه؟ فأجابوه: تلك خمسة … وتبسم القاضي وقال لهم: لقد عجلتم، لماذا لم تبدأوا العدا من الواحد؟ … إن الحق إذا استبان، واتضحت براهينه لا يحتاج إلى الاطالة وتضييع الوقت وتعطيل الحقوق.
جاء قوم إلى أبي منصور يذكرون له: أن قطاع طرق غالبوهم على عير لهم ولما ذهب الوالي إلى محل العير وجد كل فريق من القوم يدعى أن العير له، وأن الفرقة الثانية هم قاطعوا الطريق، فحار وبعث إلى القاضي.
حتى
جاء عمروس، فأبعد الطائفتين عن العير، ثم فتش أمتعتهما عرف أسرارها ودخائلها، وعندئذ انفرد بكل من الفرقتين يسألهم عما في متاعهم حتى استبان الفرقة التي تعرف كل شئ في العير، والفرقة التى لا تعرف إلا الظاهر فقط، وجاء بهم إلى الوالي وقال له - وهو يشير إلى أصحاب العير: هؤلاء أصحاب الرفقة، ثم أشار إلى الغاصبين وقال لأبي منصور: وهؤلاء
أضيافك، يكنى بذلك عما يجب من حبسهم، والتنكيل بهم. قلت في صدر هذا الحديث: إن عمروسا كان شجاعاً بطلا في ميدان الحرب كما كان عادلاً في ميدان القضاء، وذكيا في حل المشاكل، وقويا في إثبات الحق حضر وقعة " مانو " بين نفوسة والأغالبة: تلك الوقعة الكبرى بين الإباضية في ليبيا والأغالبة الزاحفين من القيروان. وكان لعمروس فرس في مثل قوته وإقدامه، فكان يحلق على العدو كما يحلق العقاب، وعندما يلحظ ضغطا على جانب من
جوانب جيشه، يطير إليه، فيفرج عنه الكروب، ويشتت الجموع وحار العدو في هذا البطل الذي ينزل بهم الضربات القاتلات في جميع جهات الميدان، فقال قائلهم: إنكم لن تحرزوا نصرا إلا إذا هوى هذا الشهاب، فاعمدوا إلى الحيلة - والحرب خدعة – فثبتوا حبالا في مكان ما ووجهوا ثقلهم إلى تلك الناحية، ورأي البطل الكبير ما يقع في ذلك الجانب لأبطال جيشه المغاوير، فاتجه إليهم ليخفف عنه الضغط، ولكن الحبال اختلفت بين أرجل الجواد، فتعثر وسقط الفرس والفارس، وتسارعت عشرات الأيدي والسيوف إليه فأخذ أسيراً، وجئ به إلى أمير القوم: إلى إبراهيم بن الأغلب، إلى الرجل المسعور الذي لم يرتكب فظائعه قائد حرب في تاريخ البشرية الطويل - فيما أعلم - وأراد القائد المجنون أن يشمت بالبطل المؤمن، فقال له: سلنى العفو فأعف عنك. فأجاب البطل: إن الأعمار بيد الله، وتلك كلمة لن تسمعها منى أبداً! .. فقال ابراهيم: إذن فارجع عما أنت عليه لنتركك. فقال: تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله! …
وكانوا يوجهون إليه هذه الطلبات وهم يوالون تعذيبه، أملا
منهم أن يجدوا منه ضعفاً، ولو في آخر اللحظات … فكانوا يقرضون يديه بمقاريض من الحديد، شيئاً فشيئاً، ويقدمون إليه عروضهم. وكان ثابتا في إيمانه، ثابتا في عقيدته، ثابتاً في مبدئه، ثابتا في شجاعته وبطولته، حتى بلغوا بقطعهم ليديه إلى المرفقين، ففاضت روحه، رحمه الله!!! وسجل التاريخ على ابراهيم المجنون صفحة أخرى سوداء، مع الصفحات السوداء الكثيرة، التي تركها في حياته.
155
154