الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٧٨

الإباضية

الكبير، وكان قليل النظراء، فاعترف في صراحة المؤمن وصدقه بأن صاحب هذا الكتاب أغزر مادة منه فقال: " النفوسي أقوى مني " 37 وكانت للفزاني كتب قيمة في هذا الفن، ولكن الاعتراف بالحق والابتعاد عن الغرور، كانت من الصفات التي يتحلى بها أولئك السلف الصالحون.

حج في جماعة من أهل الجبل، وحضر مجلسا للإمام الكبير الله محمد بن محبوب رحمه وهو عمدة المذهب وإمامه حينئذ، فوجه إليه عمروس سؤالا، فقال الإمام: إذا كان أبو حفص في شئ من هذا البلد فهذا السؤال منه، ثم أجاب عن السؤال وتعارف العالمان الكبيران، ووقف عمروس موقف الطالب النجيب من المدرس البارع، فكان يسأل وكان الإمام يجيب، حتى قال له الإمام: هذا من مكنون العلم، ولا يصح النقاش فيه بحضور

العوام.

وكان إلى علمه وذكائه وسرعة بديهته لا يخشى أحداً في الحق. سأله رجل بمحضر أبي مهاصر: عمن أخذ من مال ابن طولون خرجا فتاب ولم يعلم له صاحباً. فأجاب القاضي العالم: تسأل عن صاحبه، فإن أعياك أمره فتصدق به. فغضب أبو مهاصر وقال: لا أقعد في مجلس يفتي فيه بمثل هذا.

قال عمروس: إن شئت أن تقعد فاقعد، فإن من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحدا من رحمة الله

لقد كان أبو مهاصر شديدا، وهو يرى أنه يلزم صاحب الخرج

أن يبعث عن صاحبه أو ورثته مهما كلفه الأمر، ولن يبرئه من

التباعة غير ذلك. أما.

عمروس فقد كان أعمق فهما لأسرار الشريعة وروح الإسلام، والعمل بمقتضاه، وقد أصبح قول عمروس هو القول المعمول به في الأحوال المشابهة.

دعاه أبو منصور إلياس، وعرض عليه القضاء.

ومن غير عمروس يمكن أن يلي القضاء لأبي منصور، إنهما نسخة مكررة من طبعة واحدة: في الإيمان والنزاهة، وقوة الإرادة، والشجاعة، وليس بينهما فرق في غير غزارة العلم. هذه الغزارة التي يتحلى بها عمروس: العالم الذكي الذي انقطع للدراسة منذ صغره. بينما رجع إليها أبو منصور بعد أن صلب عوده واشتد ساعده، ونضجت رجولته. فقال عمروس: " إن لم تأذن لي في قتل مانع الحق، والطاعن في الدين والدال على عورات المسلمين فخذ عني قمطرك وخاتمك " واستجاب الوالي لشروط العالم، وتولي عمروس القضاء، وسار فيه سيرة المؤمنين الأمناء، الذين يحافظون على حقوق الناس، ويخشون الله ف في عباده ويتقونه وكان شديداً على الظالم قوياً عليه حتى يأخذ الحق منه. اختصم إليه رجلان في مجلس الحكم بمحضر أبي منصور وجمع كبير من المشائخ، فأدلى المدعي بالحجة، فاستردده المدعي عليه الجواب فسكت، وأعاد فسكت، ثم أعاد، فبقي المدعى ساكتا ولم يقل شيئاً، فاستبان للقاضي لدد الرجل في الخصومة، فقام

إليه فركله برجله، فقال الجلساء للقاضي: عجلت على الرجل. فالتفت القاضي الذكي إليهم، وجمع أصابع يده وقال لهم

153

152