الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٨١

أبو محمد عبد الله بن الخير

نشأ في قرية صغيرة من قرى الرحيبات تسمى " تو نزيرف " والحرف (تي) في اللغة البربرية معناه: آل أو أهل، وقد يستعملون [آت) بدلا من (تي).

تقع " ونُزِرْفُ " هذه على قمة جبل شامخ، وتطل على واد سحيق العمق، يفصل بينها وبين " تميجار " (أولاد بوجديد) اليوم، وهى مركز الرحيبات في هذا العصر، وتبعد عنها نحو أربعة أميال.

في هذه القرية الصغيرة الجميلة، وعلى ضفة هذا الوادي العميق الأخضر، وفوق تلك القمة الشاهقة، نشأ أبو محمد عبد الله بن الخير. واستقبل أول ما استقبل من حياة العمل: مدرسة القرية: فحفظ كتاب الله، وتأدب بآداب المسلمين، ودرس مبادئ الدين الحنيف على مشائخ القرية الفضلاء، فلما وجد أنهم لا يشبعون نهمه، انتقل إلى مدرسة نذير زمانه العلامة أبان بن وسيم، ومن تلك المدرسة العامرة تخرج، فكان موسوعة علمية متحركة حتى ضرب به المثل فقيل: من ضيع: كتاباً كمن ضيع خمسة عشر عالماً مثل عبد الله ابن الخير ..

وهذا المثل كاف في الدلالة على ماللرجل من شهرة في

العلم.

العلماء،

رجع من بقي من الإباضية بعد وقعة مانو، وقد قتل فيها أكثر وبعد زمن يسير من هذه الوقعة تغلب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر وخربوا، تاهرت، وأحرقوا المعصومة، وبذلك أصبح جبل نفوسة وما يتبعه شرقاً وغرباً مستقلا عن الدولة المجاورة، غير مرتبط بواحدة منها، كما أن الإباضية في ليبيا لم يشاءوا أن يبايعوا أحداً بالإمامة، أو يدعوا إلى إقامة

دولة. ولكنهم كانوا يكتفون بحكم خاص بهم.

يجتمع أهل الرأي والمشورة، فيختارون أكفأهم: يسندون إليه أمورهم، ويضعون بين يديه شؤونهم، فيتولي القضاء بين متنازعيهم، والفصل في مشاكلهم، ومدافعة العدو بهم، وكل ذلك لا يتم إلا باستشارتهم، فإن سار على النهج وأعجبهم منه السلوك ساعدوه، وإلا عزلوه واختاروا لمكانه غيره، وفي أكثر الأحيان يتم هذا الاختيار بين مستشاري جبل نفوسه كلهم، وتكون صلاحيات الحاكم الذي يختارونه جارية على جميع الإباضية في الجبل وتوابعه، ولكن قد يقتصر حكم أحدهم على ناحية من نواحي الجبل، بينما يتولي غيره رعاية شؤون الأمة من الناحية الباقية؛ وحينئذ تكون العلاقة علاقة بينهم تعاون ومشاركة في السراء والضراء، وليس توزيع الحكم بينهم إلا تقسيما للعمل كي يتيسر القيام به على أهون سبيل. اما الأمة فهي لا تزال أمة واحدة مرتبطة المصالح، لا تفرقة ولاخلاف، وعندما ينقضي هذا الوضع تعود الأمة إلى ماكنت

159

158