الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٨٢

الإباضية

عليه من وحدة السياسة والهدف والحكم.

لست

أعني بذكر الحالة السابقة، أن نزاعا على الحكم، أو اختلافا في الرأي، أو تفرقة بين أبناء الأمة قد جرى في زمن من الأزمنة، التي تقع بين سقوط الدولة الرستمية ودخول تركيا إلى ليبيا. إن شيئا من ذلك لم يكن في حفظي، ولا في المصادر التي بين يدي من كتب التاريخ، ولا استثنى من ذلك إلا الخلافات الفردية العادية، التي تقع عند كل أسرة.

ذهب أبو محمد عبد الله بن الخير فيمن ذهب ب إلى مانو، وكان من الأفراد القلائل الذين قدرت لهم الحياة بعد هذه الوقعة فرجع سالما إلى قريته الصغيرة، وهو يتحسر ألما على الخسارة التي منى

بها الجبل، وعندما توفى أفلح بن عباس هرع بقية المشائخ إليه، يعرضون عليه طلبهم، ولم يشفع له كبر سنه، فإن الحاجة إليه شديدة، إذ لم يبق من الأعلام الكبار بعد تلك الوقعة غيره وغير أبي القاسم البغطوري، وكان أكبر منه سنا، وأوهن عظما، فاسندوا إليه الحكم عليهم، والقضاء بينهم، فسار بهم سيرة أولئك الأعلام الذين عرفت تقواهم لربهم، ولزومهم لهدي محمد صلى الله عليه وسلم، وتمسكهم بدين الله القويم، ورأيت نماذج من حكمهم: مساواة في الحق، وعدالة في الحكم، وسهر على مصلحة الأمة، ينبعث كل ذلك عن فهم عميق لأسرار

الشريعة، وإيمان خالص بدين الله .. ومحبة صافية للمؤمنين. كان الإباضية في جبل نفوسة من أحرص الناس على اتباع السنة، والعمل بها، فكانوا لا يولون أمر الصلاة بهم إلا من

تجتمع فيه شروط الصلاح الكاملة، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا

الله

وكان أبو عبد الله ممن اجتمعت فيه هذه الشروط: فهو أعلم القوم، وأحفظهم لكتاب الله، وأشدهم استمساكا بدين وأكبرهم سنا: ولذلك فقد كان يتولي أمر الصلاة بالناس، وغلب

عليه الكبر وأثقل طول الزمان سمعه، فكان يجهر بصوته في القراءة السرية حتى يسمعه من خلفه فقال له يحيى بن يونس السدراتي يوما: ماتسعنا الصلاة خلفك وأنت تجهر بالقراءة حتى نسمعك. فقال الإمام العالم: لم أكلف سماعك يأبنيونس؟ .. وكان هذا الجواب كافيا أن يعرف ابن يونس وغيره أن تكليف الله لعباده إنما يتعلق بما عندهم من قوى، لا بما عند غيرهم. إنه عندما يقرأ في صلاة السر لا يراعي إلا أذنيه، فإذا كان صوته عاليا بحيث سمعه من خلفه - لأن في أذنيه ثقلا – فلا. يعني أنه قرأ جهراً في موضع السر، لأنه مكلف أن يسمع أذنيه في قراءة السر.

جلس للتدريس والتقوى بعد وقعة مانو، وبذل من الجهد

في نشر العلم ما يعجز عنه من كانوا في عنفوان الشباب ولم يحل دون قيامه برسالة التعليم المقدسة لا كبر السن ولا ضعف البدن، ولا الإنشغال بمهام الحكم، ولقد استطاع بما بذل من جهد أن يعيد في مدة ليست بطويلة ما خسرته الأمة في معركة مانو الطاحنة، ولم يسانده في هذا العمل إلا أبو القاسم البغطوري، الذي بذل من الجهد العلمي أكبر مما بذل أبو محمد عبد الله، لأن أبا القاسم لم يشغل بالحكم. وكأن حكمة الله أرادت أن يكون هذان الرجلان هما دعامة النهضة، فأتاحت لهما من العمر الطويل ما لم يتح لغيرهما، فقد. عاش أبو

161

160