المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧وكان يضع الحديث في استنفار الناس إلى قتالهم فعظمت محنتهم المزدوجة: محاربة المسلمين وانتشار الأحاديث الموضوعة في قتالهم حتى بلغت المدى من الشر فزادت الطامة. ولما كان هؤلاء الخوارج من منكرة، التحكيم فقد تولى كثير ممن ينتمون إلى المذاهب العديدة إدماج الأباضية في هؤلاء الخوارج ظلماً وعدواناً والسبب في ذلك عديد المناهج:
أولها، أن أصحابنا الأباضية يرون الملك العضوض لا طاعة له، بل الواجب أن يكون الحكم على منهاج الخلفاء الراشدين لما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر حديث صحيح متفق عليه، ولما روي في عمار بن ياسر رحمه الله ستقتلك الفئة الباغية. واستشهد بهذا الحديث منكرو التحكيم ولم ينكره الفريق الآخر فثبت كنص قاطع ارتضاه الفريقان ولو اختلفا في تأويله، إذ الفريق الآخر حمله على معنى غير صحيح وإنما ادعاه الغرض إلى حمله على ما يقتضيه ذلك الهوى.
ثانيها، ظهور رأي أصحاب الأهواء في واقعة النهروان، إذ زعموا أنها لأجل الخروج عن علي (ه) وهو إمامهم، والحقيقة التي لا مرية فيها أن أهل النهروان لم يخرجوا عن علي (ه) قط ولكنهم حين أبوا التحكيم وأصروا عليه، جنح أبو الحسن إلى فريق التحكيم فرأى منكرو التحكيم أن البيعة لم تكن في أعناقهم بل هم في حلّ منها حيثُ إِنَّ التحكيم في شيء معناه غير ثابت الحكم وإلا فلم التحكيم؟ اعتبروا التحكيم تنازلاً من الإمام أبي الحسن عن البيعة، إذاً منكرو التحكيم في حل من أمرهم فلهم الحق أن يختاروا من يشاؤون إماماً لهم فاختاروا رجلاً من أفضل الصحابة الكرام وهو عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي، فلما ومن بايعوه بعثوا إلى أصحابهم يومئذ ومنهم الإمام علي (ه) أن يدخلوا في البيعة لمن
الناس
يومئذ
اختاروه إماماً.
فرأى علي بن أبي طالب (ه) أن البيعة حصلت لأزدي لا لقرشي، وحاربهم قبل أن يتقوى أمرهم فتخرج الإمامة لغير، قريش وهذا هو السبب الوحيد لواقعة
النهروان.
لهذا دعاهم حين ناظرهم إلى أن يحاربوا عدوهم معاوية ومن معه، ولكن الأمر قد فات فقد أخذ الأمر معاوية من الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري في دومة الجندل فأصبح المسلمون في حلّ من أمرهم. لأن بيعة عبد الله بن وهب لم تقع إلا بعد حصول النتيجة بوقوع ما حذر منه أولو البصائر من منكري التحكيم، وهو أن التحكيم تلاعب بالأمر تولى كبر الدعوة إليه الأشعث بن قيس الذي دس على أصحاب علي (ه) من قبل معاوية.
288