موسوعة عمان الوثائق السرية محمد بن عبد الله بن حمد الحارثي

المجلد الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٨٩

بقريش بل هي تصبح لِكُلّ من اختاره المسلمون لسياسة دولتهم ورئاستها وهذا هو الحق الذي دل على كمال البصيرة إذ ليس من الحكمة أن يجعل الله أمر البشر على سائر أجناسه وأممه تابعاً لقبيلة واحدة سواء أحسنت أم أساءت والوضع الطبيعي في البشر هو الذي أيد ما ذهب إليه أصحابنا وحملوا عليه حديث «الأئمة من قريش» ومن المكابرة ومجانبة الحق أن يزعم الزاعمون اختصاص سياسة الأمم بقريش ولم يرتضه الأنصار وهم أهل الفهم لما بعث به محمد (صلى الله عليه وسلم) حين قالوا لأبي بكر منا أمير ومنكم أمير، ولا أبو بكر حين ردّ على الأنصار بقوله: منا الأمراء ومنكم الوزراء، إن العرب تدين لهذا الحي، ويعني قريش فعلل الحكم بانقياد العرب إلى قريش لا إلى شيء آخر، مما يزعم أهل الأهواء السياسية والمذهبية. أترى الأمم على سائر أجناسها تنقاد إلى رجل من قريش لمجرد أنه قرشي؟ كلا والله.

خامسها، إن الأباضية يبتغون العدل وينشرون العمل بالكتاب والسنة والسير على مناهج السياسة التي سار عليها الخلفاء الراشدون سواء قام بالأمر قرشي أم حبشي،، عربي أم عجمي كما ورد في أحاديث صحاح لهذا ارتضوا سيرة عمر بن عبد العزيز حين أرسلوا إليه وفداً من البصرة يتألف من ستة علماء جهابذة: جعفر السماك وأبو الحر علي بن الحصين العنبري والحتات بن الكاتب والحباب بن بن كليب وأبو سفيان قنبر البصري وسالم بن ذكوان وربما كانوا أكثر من هؤلاء، إلا أن الذين وقفت على أسمائهم هو هؤلاء رحمهم الله جميعاً وحيث ذكر مؤرخو قومنا وفود هؤلاء على عمر بن عبد العزيز قالوا كعادتهم في الغمز: أرسل إليه الخوارج وفداً. ولم يذكروا ما جرى بينهم وبين الخليفة عمر من الحديث وقبوله منهم كل ما أرادوه منه من نشر العدل وتطهير البلاد والمنابر من اللعن الذي اتخذه الأمويون سنة، فإن الوفد قال له إن المسلمين يلعنون على المنابر فلا بد من الشروع في تغيير المنكر فأبدل اللعن بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (11). لم تسمح نفوس أولئك المؤرخين الذين أعمت بصيرتهم الأهواء أن يذكروا تلك المناقب التي ظهرت من الأباضية من نشدان الحق والوقوف في وجه الظلمة بالمساجلة كما فعل الإمام عبد الله بن إباض مع عبد الملك بن مروان وأبو بلال مرداس بن حدير مع زياد بن أبيه، ولم يسلّوا السيف كما فعل الخوارج، بل سلكوا سبيل البيان معرضين عن السنان لأنهم يرون عصمة الدم بالتوحيد لا إله إلا الله وعصمة المال كذلك، ولم يكن منهم ما كان من أعمال غيرهم في سبيل تأسيس السلطان أو حمل الناس على

(11) القرآن الكريم، سورة النحل،» الآية 90.

290

٢٨٩ / ٦٬١٥٢