المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٣١٤الإمامة، وفي كثير من الأحيان كانوا يزهدون في مبايعة إمام ضعيف ويعودون -
خلال الفترة التي لا يوجد بها إمام - إلى كبار العلماء لحل مشاكلهم.
،
كان المحكمة وحدة واحدة ولكن الظروف ودخول عناصر جديدة في صفوفهم جعلتهم ينقسمون على أنفسهم فظهرت فئات كثيرة منهم وأشهرها: الأزارقة والنجدات والصفرية والأباضية أتباع الإمام عبد الله بن إياض. ليس من اختصاص هذا الكتاب البحث في الفرق الثلاث الأولى، ولكننا سنقتصر في بحثنا على الأباضية:
كانت هذه الفرقة من أكثر فرق المحكمة اعتدالاً فلم يبيحوا قتل المسلمين من الطوائف الأخرى ولا التعرض إلى ممتلكاتهم أو إلى نسائهم، بل أباحوا التزاوج بينهم وبين المسلمين وهكذا عرفوا بالتسامح الفائق ولم يكن الغلو من سمات هذه الجماعة، وبحكم بساطتها وعدم غلوها ومثلها العليا استطاعت أن تعيش حتى يومنا
هذا.
واستطاعت أن تقيم حكم الإمامة الذي انقطع بموت الخلفاء الراشدين، وأن توصل حبله وأن تساير الزمن وتتطور بحسب مقتضياته مع الحفاظ على المبادئ الصحيحة من دون التهاون فيها.
كانت هذه الفرقة تعيب على الدولة الأموية والعباسية نظام الحكم الوراثي وقال فلاسفة الفرقة: ليس المسلمون قطيع غنم فيورث، بل إن الأمر شورى بين المسلمين ينتخبون الكفء العدول لتولي المنصب الخطير.
الخلاصة: إن مبادئ الفرقة الأباضية استطاعت أن تؤكد وجودها وتثبيت دعائمها في عُمان وشمال وشرقي أفريقيا، وصمدت أمام المحن والتحولات التاريخية العظمى صموداً حير ألباب المفكرين والعلماء، ولم تغب شمس الإمامة عن عُمان إلا في القليل النادر، كانت تمر فترات بسيطة استطاعت بها قوى الشر والظلام أن تحجب النور، ولكنه لم يحجب إلا ليظهر أقوى وأسطع، ولم يضعف قليلاً إلا ليقوى
ويشتد.
كانت الإمامة تستند إلى قواعد وجذور قوية، كانت تستند إلى أساس ديمقراطي
يتساوى فيه الغني والفقير والقوي والضعيف أمام قوانين الشريعة السمحاء. ولذا فإن بذور الحكم الجمهوري قد نبتت في عُمان ومجتمعها الإباضي وكانت بذوراً صالحة في تربة صالحة.
315