المجلد الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٥٣کرسيه علمه، ولم يك شيء في الوجود قط إلا من فضله، أقر له بالعبودية، وأدين له بالربوبية، واعترف له بالوحدانية وأشكره على نعمه الظاهرة والخفية، وأصلى وأسلم على سيدنا ونبينا محمد (خير خلقه، رسولاً، أكرمهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأصدقهم حديثاً، أنزل عليه كتابه وجعله أميناً على وحيه، مبلغاً لرسالاته إلى خلقه، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح للأمة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه، وهو القائل الرائد لا يكذب أهله: «والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم ولو غششت الناس جميعاً ما غششتكم»، وقال: «الدين النصيحة». الأحاديث صدق الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم).
وعملاً.
بهديهم
أما بعد. إخواني لقد ترددت كثيراً في تحرير هذه الرسالة إليكم، ولكنني قررت أخيراً بأن لا أكتمكم بثي، عملاً بالحديث الشريف الآنف الذكر وبالحكمة المأثورة (من كتم الطبيب مرضه والإخوان بثه والسلطان همه فقد خان نفسه)، وقد استحسنت أن أضعها في فصلين الأول منها خصصته لسلفنا الصالح ومما سجله تاريخهم، تذكرة لكم بأن أمامنا سجل كامل وشريط حافل وحياة زاخرة بمفاخر ومآثر ذلك السلف الذي مضى في سبيل ربه، مستصحباً صالح الأعمال تاركاً وراءه تاريخاً ناصع البياض مكللاً بالكفاح متوجاً بمكارم الأخلاق في كل مجالات الحياة وهو مشرف ليس بعده شرف. رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فرضي الله عنهم وأرضاهم أحبوه فأحبهم وحبب إليهم عباده وجعل أفئدة الناس تهوى إليهم حباً في عدلهم واقتداء بهداهم حافلة بروائع أعمالهم وعظمة تفوقهم وصلابة شكيمتهم مضت حياتهم وقوة إيمانهم بربهم وزهداً في دنياهم، صدعوا بما أمرهم الله به، فنصرهم بالحق ونصر الحق بهم وأعزهم به وأعزه بهم فخشعت لهيبتهم قلوب مناوئيهم وارتضوهم فكانوا ظلاً وارفاً يأوي إليه كلّ مظلوم ويتفيأه كل ملهوف. إذا نادى مناديهم حتي على الكفاح تهافت إليه أبناء وطنهم في ولاء منقطع النظير، فتنشقت الحياة الطيبة عبير أعمالهم الصالحة وحملتها رياح الرحمة، فجعلت منها رسلاً إلى كل بقاع الأرض، تبشر وتنذر ليس في داخل الوطن فحسب، بل وفي خارجه. كذلك ينشرون مبادئ الحق وينذرون به أعداءه، ورغم قلتهم وقد كانوا عزلاً، إلا أنهم كثر بسلاح الإيمان، وهو أفتك سلاح يدمر أهل الجور والبغي والظلم من أعداء دينهم، لذلك لم يأبهوا بمعارضة جاهلية زمانهم ولم تلن قناتهم لمغامر يحاول النيل منهم أو ألفت في عضدهم فواجهوا الشر في تحد رهيب وقوة خارقة وعزيمة ثابتة واستماتة في ما آمنوا به تنذر الظالمين بسوء مصيرهم دفاعاً عن الحق وجهاداً من أجله لتكون كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
حكماً
بينهم،
هي
454