الجغرافيا التاريخية لإفريقية محمد حسن

الجغرافيا التاريخية لإفريقية

الجزء ١ · صفحة ٢٤

http://kitabweb-2013.forumsmaroc.com

منتدى الثقافة العالمية

22

الجغرافية التاريخية لإفريقية

غيرت الكثير منها مواضعها مفضلة الأماكن المنيعة عن السهول، واحتمت أخرى بالأسوار والجدران، وإن كانت أقل صلابة من أسوار المدن، خوفا من هجومات النصارى وحراية البدو، كالأسوار من تراب التي أحيطت بها طيلبة و منزل أبي النصر.

وليس نادرا أن يلجأ أهل القرى إلى مغادرة ديارهم وترك أملاكهم، وينزحوا إلى أماكن أخرى في مأمن من البطش والتعدي، أو من شبح الجوع والوباء وشتى الكوارث البشرية والطبيعية، حتى أن القرية لا تعمر طويلا، وتتحول إلى خراب، أو أن تعمد جماعات أخرى إلى أخذ مكانهم وحوز الملكية (23).

ونعتقد في هذا الصدد أن العمل الأثري قادر على حل ألغاز شتى، وتوضيح الصورة الحقيقية لحياة هذه القرى واندثارها وكيفية نهايتها المأساوية، سواء كان ذلك نتيجة العنف البشري الذي يترك بصماته، مثل الحرب والحرق والتدمير، أو الآفات الطبيعية مثل الجفاف والزلزال (24). والقرية بإفريقية مختلفة عن المدينة في طبيعة عمرانها وبنيتها ووظائفها،

وقد ظل المسجد الجامع، أحد عناصر التمفصل بين الاثنين. على أن هذا العنصر وحده لا يمكن أن يكون كافيا للتفرقة بين المدينة والقرية، ذلك أن كثيرا من القرى كانت مزودة بمسجد جامع، سواء أن اشتركت القرى القريبة من بعضها في بنائه، أو تأسس داخل القرية الواحدة عدد من الجوامع، نتيجة النمو السكاني أو لاختلافات عشائرية (25).

وتأتي الأهمية السكانية عاملا آخر في التفرقة بين الاثنين، ولئن قوم سكان القرية الأندلسية في حدود الألف، فإن نظيرتها الإفريقية في أواخر العصر الوسيط لا يتجاوز عدد قاطنيها الثلث، أو على أقصى تقدير النصف. وفي الجملة فإن امتداد النسيج الحضري وتواصله، وإحاطته بسور، وتوفّر المنشآت الأساسية من مسجد جامع وسوق قارة و مدرسة (إذ ارتبط