الجغرافيا التاريخية لإفريقية
الجزء ١ · صفحة ٤٥http://kitabweb-2013.forumsmaroc.com
منتدى الثقافة العالمية
في مفاهيم الجغرافيا التاريخية
43
أركان هذا القصر برج لا يصلح أن يكون أوج إلا للنسر، وارتفع على بابه برج خامس ناهر اللمح، أبيض منير كعمود الصبح، قد لصقت به خراجة مشرفة على الباب معدة لدمغ من رام ولوجه بالغلاب. وكانت بداخل القصر ديار محكمة البناء متناسقة السكك متسعة الأذراء أجلها دار عثمان بن أحمد، وكانت بديعة الاختطاط معجبة الاستنباط، قد قامت من جهاتها الأربع على السواري السامية من الرخام، مما اخترعته ملوك الروم قبل الإسلام، وخلفته بلميس وغيرها عبرة لأولي النهى، والأحلام، وحقت بهذا القصر جنّات تعرف من وجوهها نظرة النعيم وحدائق تسهل ألفات غصونها ألسنة النسيم … وكان عثمان بن علي قد اختص من تلك الجنات بأوسعها جنابا وأكرمها انتسابا وأبدعها شبابا … ولم يزل به جديد الأنس ناعم البال، جانيا قبل ثمرات الحدائق وثمرات الآمال متظاهرا بالرباط، نازعا فيما يزعم عن الهياط والمياط، مشتدا على لواتة الذين غصب أرضهم، وانبسط في أرجائها بالبناء، فأعظم قبضهم. واجتمعت إليه أفاريق من الناس ينقادون لحكمه في الظاهر ويأمنون بجواره من معرة الجيوش والعساكر، ويغيرون من موضعهم تلك على الضعفاء ويكتسحون أموالهم تحت أذيال الظلماء، حتى إذا ركب عثمان دخلوا في مصاف المرابطين، وكانوا في أمرهم من
المغالطين. . . (69)
تلك
هي صورة لهذا القصر- الرابطة الذي يمتلكه أحد كبار الفرسان الرياحيين ويستعمله للسكن وللاحتماء، وإخضاع قبائل لواتة المجاورة. وقد أخذ شكلا مكعبا (أو مستطيلا)، تحيط به الأبراج من زواياه الأربعة محصن المدخل، ومتسع الصحن الذي تنتظم حوله البيوت المعدة للسكن. على أن صنفا آخر من القصور وجد في تلك الجهة، وهو المعدّ للخزن. فإذا كان قصر عثمان بن علي بن أحمد الرياحي معدا للمرابطة والسكن والاستغلال الزراعي، فإن قصر باتنة الذي امتلكه ابن عمه: سعيد اين موسى بن أحمد الرياحي كان لخزن المؤونة. قال ابن الحاج في هذا